ثمّ بيّن سبحانه كيفيّة عداوتهم بقوله : ﴿يُوحِي﴾ ويسرّ ﴿بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ لتخريب أمر النبيّ صلىاللهعليهوآله ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ والمزيّن من الكلام الكذب والباطل ليغرّه إلى إهلاك نفسه ﴿غُرُوراً﴾ .
قيل : إنّ من الجنّ شياطين ومن الإنس شياطين ، وإنّ الشّيطان من الجنّ إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرّد من الإنس [ وهو شيطان الإنس ] ، فأغراه بالمؤمن ليفتنه (١) ، وذلك بمشيئة الله لحكمة الامتحان ، وبروز الاستعدادات.
﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ عدم العداوة ، أو عدم الإيحاء ، أو عدم التّزيين للكلام ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ البتّة ، فإذا كان فعلهم بمشيئة الله ﴿فَذَرْهُمْ﴾ يا محمّد ﴿وَما يَفْتَرُونَ﴾ من الكفر ، أو دعهم مع ما زيّن لهم إبليس وغرّهم به - كما عن ابن عبّاس (٢) - فإنّ لهم عندنا عقوبات شديدة ، ولك على تحمّل الأذى منهم مثوبات عظيمة. وفيه غاية التّهديد. وقيل : منسوخ بآية السّيف (٣) .
﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ
مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَ فَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ
الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾
ثمّ بعد بيان علّة إيحائهم الأباطيل ، بيّن سبحانه علّة تزيينها بقوله : ﴿وَلِتَصْغى﴾ وتميل ﴿إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ وترغب إلى استماعه قلوبهم ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لأنفسهم ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ ويكتسبوا ﴿ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ ومكتسبون من السّيّئات ، وأمّا الّذين يؤمنون بالآخرة فإنّهم لا يميلون إلى استماعه ولا يرضون به لعلمهم ببطلانه وسوء عاقبته.
ثمّ روي أنّ مشركي مكّة بعد اقتراحهم الآيات قالوا : يا محمّد ، اجعل بيننا وبينك حكما من أحبار اليهود ، أو من أساقفة النصارى يفصل بيّن المحقّ والمبطل ، فإنّهم قرأوا الكتب قبلك (٤) ، فأمر الله نبيّه صلىاللهعليهوآله بأن ينكر عليهم ما سألوه بقوله : ﴿أَ فَغَيْرَ اللهِ﴾ قيل : إنّ التّقدير : أميل إلى قولكم ، فغير الله ﴿أَبْتَغِي﴾ وأطلب ﴿حَكَماً﴾ وقاضيا بالحقّ بيني وبينكم (٥) ، يحكم بصحّة نبوّتي ﴿وَهُوَ﴾ تعالى ﴿الَّذِي﴾ حكم بها حيث إنّه ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ﴾ السّماوي المشتمل على وجوه من الإعجاز ، حال كونه ﴿مُفَصَّلاً﴾ ومبيّنا فيه المحقّ والمبطل ، ومع ذلك لا حاجة إلى حكومة أهل الكتاب.
__________________
(١) تفسير الرازي ١٣ : ١٥٤.
(٢) تفسير الرازي ١٣ : ١٥٦.
(٣) ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه : ٣٣.
(٤ و٥) . تفسير روح البيان ٣ : ٩٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
