كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾
ثمّ بالغ سبحانه في توضيح شدّة إصرارهم على الكفر والعناد ، وعدم إيمانهم بأعظم الآيات بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ شاهدين على صدقك كما اقترحوه ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾ بعد إحيائهم بدعائك في صدقك ووجوب الإيمان بك ، بل ﴿وَ﴾ لو ﴿حَشَرْنا﴾ وجمعنا ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من موجودات هذا العالم من الجمادات والنّباتات والحيوانات ، أو ممّا يدبّ في الأرض ، حال كونهم ﴿قُبُلاً﴾ وأفواجا ، أو كفلاء بصدق دعوتك ، وصحّة نبوّتك ، وعن القمّي رحمهالله : أي عيانا (١)﴿ما كانُوا﴾ مع مشاهدة تلك الآيات ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾ بك بالطّوع والرّغبة أبدا ﴿إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ إيمانهم بالقهر والإجبار ، فلا فائدة في إجابة مسؤولهم من إنزال الآيات ، إذ ليس غرضهم من سؤالها إلّا التهكّم والتّعنّت ، كما هو معلوم عندك وعند قليل من المؤمنين كعليّ عليهالسلام ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ لقصورهم ﴿يَجْهَلُونَ﴾ هذه الدّرجة من خبث ذاتهم ورذالة أخلاقهم ، فيطمعون في إيمانهم ، أو المراد : أنّ أكثر المشركين الّذين يسألون الآيات ، يجهلون أنّها لو جاءتهم لا يؤمنون.
﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى
بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾
ثمّ لمّا كان لجاج القوم سببا لملالة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، سلّى سبحانه قلبه الشّريف ببيان كون هذه البليّة عامّة بقوله : ﴿وَكَذلِكَ﴾ التّزيين الذي جعلناه لأعمال الامم ، أو كذلك العدوّ الذي جعلناه لك ﴿جَعَلْنا﴾ في كلّ عصر ﴿لِكُلِّ نَبِيٍ﴾ من الأنبياء ﴿عَدُوًّا﴾ ومبغضين ، كانوا هم ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ﴾ ومردتهما. كما عن ابن عبّاس (٢) .
وعن الصادق عليهالسلام : « من لم يجعله الله من أهل صفة الحقّ ، فأولئك شياطين الإنس والجنّ»(٣).
عن الصادق عليهالسلام : « ما بعث الله نبيّا إلّا وفي أمّته شيطانان يؤذيانه ويضلّان النّاس بعده ، فأما صاحبا نوح فنيطيفوس وخرّام ، وأمّا صاحبا إبراهيم فمكثل ورزام ، وأمّا صاحبا موسى فالسّامري ومر عقيبا ، وأمّا صاحبا عيسى فبولس ومرينون ، وأمّا صاحبا محمّد فحبتر وزريق » (٤) .
قيل : حبتر كثعلب وزنا ومعنى ، كنّى به عن رجل كثير الحيلة ، وبزريق عن آخر في عينه زرقة (٥) .
__________________
(١) تفسير القمي ١ : ٢١٣ ، تفسير الصافي ٢ : ١٤٩.
(٢) مجمع البيان ٤ : ٥٤٤ عن الحسن وقتادة ومجاهد.
(٣) الكافي ٨ : ١١ / ١ ، تفسير الصافي ٢ : ١٥٠.
(٤) تفسير القمي ١ : ٢١٤ ، تفسير الصافي ٢ : ١٤٩.
(٥) تفسير الصافي ٢ : ١٥٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
