والنّحوسات بوقوع الكواكب في طوالعهم على أحوال مختلفة ، غلب على ظنّ أغلبهم أنّ مبدأ الحوادث هو الكواكب ، فبالغوا في تعظيمها حتّى اشتغلوا بعبادتها.
ثمّ لمّا رأوا أنّها تغيب في كثير من الأوقات ، اتّخذوا لكلّ كوكب صنما من الجوهر المنسوب إليه ، فصنم الشّمس من الذّهب المزيّن بأحجار منسوبة إليها كالياقوت والألماس ، وصنم القمر من الفضة (١) ... وهكذا.
ولذا استدلّ إبراهيم عليهالسلام على بطلان عبادة الأصنام ببطلان ربوبيّة الكواكب بقوله : ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ الكواكب وغرب ﴿قالَ لا أُحِبُ﴾ الأرباب ﴿الْآفِلِينَ﴾ الغائبين عن مربوبهم ، للقطع بعدم صلوح الزّائل المتغيّر للرّبوبيّة.
ثمّ طلع القمر ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً﴾ وطالعا ﴿قالَ هذا﴾ الجرم المضيء ﴿رَبِّي﴾ وخالقي ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ وغاب ﴿قالَ﴾ تنبيها لقومه على عدم صلوحه أيضا للرّبوبيّة بعلّة افوله وتغيّره الملازم للحدوث ، وتذكيرا لهم بعجزهم عن معرفة ربّهم إلّا بهدايته وتوفيقه : ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ إلى معرفته بتوفيقه ، ولم ينوّر قلبي لإدراك الحقّ ﴿لَأَكُونَنَ﴾ البتّة ﴿مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ عن طريق الحقّ ، المنحرفين عن نهج الصّواب. وفيه تعريض بضلال قومه في عبادتهم المتغيّر المقهور بإرادة غيره.
عنهما عليهماالسلام : ﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ أي ناسيا للميثاق » (٢) .
أقول : أي الميثاق على التّوحيد في عالم الذرّ.
ثمّ ذهب اللّيل وطلعت الشّمس ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ وطالعة ﴿قالَ هذا﴾ الجرم المشهود ﴿رَبِّي﴾ .
ثمّ أشار إلى رجحان القول بالوهيّة الشّمس على القول بالوهيّة الكوكب والقمر بقوله : ﴿هذا﴾ الطّالع ﴿أَكْبَرُ﴾ من الكوكب والقمر جرما ، وأقوى منهما ضياء ، فهو أولى بالرّبوبيّة ، قيل : في تذكير اسم الإشارة رعاية للأدب وتنزيه للربّ عن الانوثيّة (٣)﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ الشّمس كسائر الكواكب ، وثبّت امتناع ربوبيّتها أيضا لأجل الافول والتّغيّر وألزم الفرق بالحجّة القاطعة ﴿قالَ﴾ مخاطبا لجميعهم ، صادعا بالحقّ : ﴿يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ بالله تعالى من الكواكب والأصنام وغيرها.
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ
__________________
(١) تفسير الرازي ١٣ : ٣٦.
(٢) تفسير العياشي ٢ : ١٠٣ / ١٤٣٤ عن الباقر عليهالسلام ، تفسير الصافي ٢ : ١٣٣.
(٣) تفسير الرازي ١٣ : ٥٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
