الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾
ثمّ بعد التّبرّؤ ممّا سوى الله أعلن بخلوصه لعبادة موجد الكواكب وغيرها بقوله : ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ وصرّفت قلبي ، وأخلصت عبادتي ﴿لِلَّذِي﴾ بقدرته الكاملة وحكمته البالغة ﴿فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ وما فيهما من الكواكب وغيرها ، وأخرج الكلّ من كتم العدم إلى الوجود ، وفوّضت جميع أموري إليه ، حال كوني ﴿حَنِيفاً﴾ ومائلا عن كلّ معبود غيره ، ومعرضا عن كلّ دين غير دينه ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ به شيئا في جهة من الجهات ، وأمر من الأمور.
في ( العيون ) : عن الرضا عليهالسلام أنّه سأله المأمون فقال له : يابن رسول الله ، أ ليس من قولك أنّ الأنبياء معصومون ؟ قال : « بلى » ، قال : فأخبرني عن قول الله عزوجل : ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي﴾(١) .
فقال الرّضا عليهالسلام : « إن إبراهيم عليهالسلام وقع على ثلاثة أصناف : صنف يعبد الزّهرة ، وصنف يعبد القمر ، وصنف يعبد الشّمس ، وذلك حين خرج من السّرب (٢) الذي اخفي فيه ، فلمّا جنّ عليه اللّيل رأى الزّهرة ، قال : هذا ربّي ؛ على الإنكار والاستخبار ، فلمّا أفل الكوكب قال : لا احبّ الآفلين ؛ لأنّ الافول من صفات المحدّث لا من صفات القديم ، فلمّا رأى القمر بازغا قال : هذا ربّي ، على الإنكار والاستخبار ، فلمّا أفل قال : لئن لم يهدني ربّي لأكوننّ من القوم الضّالين ، فلمّا أصبح ورأى الشّمس بازغة قال : هذا ربّي ، هذا أكبر من الزّهرة والقمر ، على الإنكار والاستخبار ، لا على الإخبار والإقرار ، فلمّا أفلت قال للأصناف الثّلاثة من عبدة الزّهرة والقمر والشّمس : يا قوم إنّي بريء ممّا تشركون ، إنّي وجّهت وجهي للذي فطر السّماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. وإنّما أراد إبراهيم عليهالسلام بما قال أن يبيّن لهم بطلان دينهم ، ويثبت عندهم أنّ العبادة لخالقها وخالق السّماوات والأرض » الخبر (٣) .
أقول : عليه جمع من مفسّري العامّة ، وحكي عن أكثرهم أنّه قال ذلك طلبا لمعرفة الربّ ، ورووا أنّ نمرود رأى رؤيا فعبّرها الحكماء والكهنة بأنّه يولد غلام ينازعه في ملكه ، فأمر بذبح كلّ غلام يولد ، فحبلت أمّ إبراهيم به وما أظهرت حبلها ، فلمّا جاءها الطّلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدّت الباب بحجر ، فجاء جبرئيل عليهالسلام ووضع إصبعه في فمه فمصّه فخرج منه رزقه ، وكان جبرئيل يتعهّده ، وكانت امّه تأتيه أحيانا وترضعه ، فبقي على هذه الحالة حتّى كبر وعقل وعرف أن له ربّا ، فسأل امّه وقال : من ربّي ؟ فقالت : أنا. فقال : ومن ربّك ؟ قالت : أبوك. فقال : من ربّه ؟ فقالت : ملك
__________________
(١) الأنعام : ٦ / ٧٦.
(٢) السّرب : حفير تحت الأرض لا منفذ له.
(٣) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١ : ١٩٧ / ١ ، تفسير الصافي ٢ : ١٣٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
