وعن الباقر عليهالسلام قال : « اعطي بصره من القوّة ما نفذ السّماوات ، فرأى ما فيها ، ورأى العرش وما فوقه ، ورأى ما في الأرض وما تحتها » (١) .
وعن الصادق عليهالسلام : « لمّا رأى إبراهيم ملكوت السّماوات والأرض ، رأى رجلا يزني فدعا عليه فمات ، ثمّ رأى آخر فدعا عليه فمات ، ثمّ رأى ثلاثة فدعا عليهم فماتوا ، فأوحى الله إليه : يا إبراهيم ، إنّ دعوتك مستجابة ، فلا تدع على عبادي ، فإنّي لو شئت أن اميتهم [ لدعائك ] ما خلقتهم ، فإنّي خلقت خلقي على ثلاثة أصناف : صنف يعبدني لا يشرك بي شيئا فاثيبه ، وصنف يعبد غيري فليس يفوتني ، وصنف يعبد غيري فاخرج من صلبه من يعبدني » (٢) .
قيل : إنّ ملكوت كلّ شيء باطنه وروحانيّته ، وهو من الأوّليّات التي خلقها الله تعالى من لا شيء بأمر ( كن ) ، فالملك قائم بالملكوت ، والملكوت قائم بقدرة الله ، فأرى سبحانه إبراهيم ملكوت الأشياء ، والآيات المودعة فيها الدّالّة على توحيده وكمال صفاته.
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ *
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ
الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ
قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٦) و (٧٨)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان إنكار إبراهيم عليهالسلام على آزر وقومه عبادة الأصنام ، وحكمه بضلالتهم ، احتجّ على مشركي العرب بما احتجّ به إبراهيم عليهالسلام على بطلان عبادة الأصنام بقوله : ﴿فَلَمَّا جَنَ﴾ وأظلم ﴿عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ وستره بظلامه ، وظهرت الكواكب ﴿رَأى﴾ بينها ﴿كَوْكَباً﴾ من الكواكب السّبعة ، قيل : كان الزّهرة (٣) ، وقيل : كان المشتري (٤)﴿قالَ﴾ استهزاء بقومه ، أو إنكارا عليهم ، أو حكاية لمقالهم لينكر (٥) عليهم بإبطاله ، أو إظهارا لمماشاته معهم كي يكون أدعى إلى استماع حجّته : ﴿هذا﴾ الكوكب ﴿رَبِّي﴾ .
قيل : لمّا كان مرجع عبادة الأصنام إلى عبادة الكواكب ؛ حيث إنّ النّاس رأوا أنّ الفصول الأربعة تكون بقرب الشّمس وبعدها ، وبهما تحدث الأحوال المختلفة في العالم ، وتكون السّعادات
__________________
(١) تفسير العياشي ٢ : ١٠٢ / ١٤٣١ ، تفسير الصافي ٢ : ١٣٢.
(٢) تفسير العياشي ٢ : ١٠٢ / ١٤٣٢ ، تفسير القمي ١ : ٢٠٦ ، الكافي ٨ : ٣٠٥ / ٤٧٣ ، مجمع البيان ٤ : ٤٩٨ ، تفسير الصافي ٢ : ١٣٢.
(٣ و٤) . تفسير أبي السعود ٣ : ١٥٣ ، تفسير روح البيان ٣ : ٥٦.
(٥) كذا الظاهر ، وفي النسخة : ليكن.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
