ألقته الشّياطين في وهدة عميقة في الأرض (١) ، حال كونه ﴿حَيْرانَ﴾ لا يدري ما يصنع ، ولا يهتدي إلى طريق السّلامة والنّجاة ، وفي تلك الحالة يكون ﴿لَهُ أَصْحابٌ﴾ ورفقاء ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾ ويهدونه إلى الطّريق المستقيم قائلين له : ﴿ائْتِنا﴾ وتعال إلينا حتّى نوصلك إلى المأمن والمقصود ، وهو لا يجيبهم ولا يترك متابعة الغيلان فيهلك ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ﴾ والدّين الحقّ الذي أرشدنا إليه وأمرنا باتّباعه ﴿هُوَ﴾ وحده ﴿الْهُدَى﴾ المحض ، وما سواه هو الضّلال البحت.
ثمّ شرح الدّين الذي هو هدى الله بقوله : ﴿وَأُمِرْنا﴾ والزمنا بحكم عقولنا ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وننقاد لإرادته وحكمه ، وهذا رأس الأعمال القلبيّة ، ﴿وَ﴾ أمرنا أيضا ﴿أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ التي هي رأس الطّاعات الجوارحيّة ، وأفضل الواجبات البدنيّة ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ تعالى في مخالفته ، وعصيان نواهيه.
ثمّ أشار سبحانه إلى وقت ظهور عمد منافع تلك الأعمال حثّا عليها بقوله : ﴿وَهُوَ﴾ تعالى ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ من قبوركم ، وفي القيامة تجمعون للحساب والجزاء ؛ فيجازيكم على أعمالكم إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشرّ.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ
الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ
الْخَبِيرُ (٧٣)﴾
ثمّ لمّا استدلّ على عدم قابليّة (٢) الأصنام للعبادة بعجزهم عن النّفع والضّر ، بيّن كمال قدرته حثّا على تخصيصه بالعبادة ، وإثباتا للمعاد بقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ وما فيها من العلويّات ﴿وَالْأَرْضَ﴾ وما فيها من السّفليّات ، قائما ﴿بِالْحَقِ﴾ والحكمة الكاملة والنّظام الأتمّ ، لا بالباطل والعبث ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وحين يريد إيجاد شيء فيوجد بلا ريث.
﴿قَوْلُهُ﴾ وإرادته ﴿الْحَقُ﴾ الثّابت النّافذ ، وقيل : إنّ المراد : وخلق يوم يقول ، أو وأتقّوا يوم يقول (٣) ، وعلى التّقديرين هو يوم القيامة ، ﴿وَلَهُ﴾ تعالى خاصّة ﴿الْمُلْكُ﴾ والسّلطنة التّامّة الظّاهرية والواقعيّة ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ لا ملك فيه لغيره ، كما كان في الدّنيا بحسب الظّاهر.
عن أبي هريرة ، قال : قلت : يا رسول الله ، ما الصّور ؟ قال : القرن ، قلت : كيف هو ؟ قال : عظيم ، والذي نفسي بيده ، إنّ أعظم دائرة فيه كعرض السّماء والأرض (٤) . قيل : إنّ فيه من الثّقب على عدد أرواح
__________________
(١) تفسير الرازي ١٣ : ٢٩.
(٢) يريد عدم استحقاق.
(٣) مجمع البيان ٤ : ٤٩٥.
(٤) تفسير روح البيان ٣ : ٥٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
