الخلائق (١) .
ثمّ لمّا لم يكن كمال قدرته باعثا على القيام بعبوديّته ، ومثبتا للمعاد لكلّ أحد ، إلّا بعد معرفة كمال علمه بمن أطاعه وعصاه ومن أماته وأحياه ، عرّف ذاته المقدّسة بكمال العلم بقوله : ﴿عالِمُ الْغَيْبِ﴾ وما لا تدركه الحواسّ ﴿وَالشَّهادَةِ﴾ وما يدركه ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله ﴿الْخَبِيرُ﴾ بجميع الأمور.
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ
مُبِينٍ (٧٤)﴾
ثمّ لمّا كان إبراهيم عليهالسلام معروفا بين جميع الملل بكمال العقل والعلم ، واستقامة الرّأي ، وإصابة النّظر ، وحسن العقائد والأعمال ، وعظم الشّأن ، وكان أهل الكتاب ومشركو العرب مفتخرين بأنهم ذرّيّته ، معترفين بعلوّ مقامه ، احتجّ الله سبحانه عليهم بإقراره بالتّوحيد ، وإعراضه عن الشّرك ، وتوبيخه وإنكاره على النّاس عبادة الأصنام ، بقوله : ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ موبّخا له ، وإنكارا عليه : ﴿أَ تَتَّخِذُ﴾ وتختار لنفسك ﴿أَصْناماً آلِهَةً﴾ ومعبودين من دون الله ، وفي تنكير الأصنام إشعار بتحقيرها ﴿إِنِّي﴾ بعين عقلي ، وبصيرة قلبي ﴿أَراكَ وَقَوْمَكَ﴾ الّذين وافقوك في عبادتها راسخين ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عن الحقّ ، وبعد عن الصّواب ﴿مُبِينٍ﴾ وواضح عند العقل والعقلاء.
في أنّ آزر كان جدّ إبراهيم لأمّه
ثمّ اعلم أنّه ادّعي الإجماع على أنّ اسم أبي إبراهيم تارخ ، وإنّما الخلاف في أنّ آزر كان لقبه ، أو كان له اسمان ، أو كان آزر عمّه ، وإنّما اطلق عليه الأب ؛ لأنّ العمّ صنو الأب ؟ أو كان جدّه لامّه وهو الحق ؛ لأنّ إطلاق الأب عليه حقيقة وعلى العم مجاز ، واتّفاق أصحابنا ظاهرا على أنّ آباء النبيّ صلىاللهعليهوآله كلّهم كانوا موحّدين لقوله تعالى : ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾(٢) .
عن القمّي عن الباقر عليهالسلام ، قال : « في أصلاب النّبيّين » (٣) .
وفي ( المجمع ) : عنهما عليهماالسلام ، قالا : « في أصلاب النّبيّين ؛ نبيّ بعد نبيّ ، أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح ، من لدن آدم » (٤) .
وروي عن النبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه قال : « لم يزل ينقلني الله تعالى من أصلاب الطّاهرين إلى أرحام
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ٥٣.
(٢) الشعراء : ٢٦ / ٢١٩.
(٣) تفسير القمي ٢ : ١٢٥ ، تفسير الصافي ٤ : ٥٤.
(٤) مجمع البيان ٧ : ٣٢٤ ، تفسير الصافي ٤ : ٥٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
