والسّيئات.
وعن ابن عبّاس رضى الله عنه : أي ترتهن في جهنّم بما كسبت في الدّنيا (١) .
والحال أنّ النّفس ﴿لَيْسَ لَها﴾ عند ابتلائها بالعذاب ﴿مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ يدفعه عنها ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ﴾ تلك النّفس وتفد ممّا في الأرض ﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾ وفداء ، لا يقبل و﴿لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ ذلك الفداء ، فجميع طرق الخلاص منسدة عليها.
ثمّ أثبت الإبسال والتّسليم للعذاب على المستهزئين بقوله : ﴿أُولئِكَ﴾ اللاعبون اللاهون المغرورون بالدّنيا هم ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ وسلّموا إلى ملائكة العذاب ﴿بِما كَسَبُوا﴾ وحصّلوا لأنفسهم من العقائد والأعمال.
ثمّ كأنّه قيل : ما يكون له إذا سلّموا إلى العذاب أو إلى ملائكته ؟ فأجاب بقوله : ﴿لَهُمْ شَرابٌ مِنْ﴾ ماء ﴿حَمِيمٍ﴾ مغليّ يتجرجر في بطونهم ، وتتقطّع به أمعاؤهم ﴿وَعَذابٌ أَلِيمٌ﴾ بنار تشتعل بها أبدانهم ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بالله وبآياته.
﴿قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا
اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى
الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ * وَأَنْ
أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧١) و (٧٢)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان إصرار المشركين على شركهم ، وتكذيبهم بالقرآن النّاطق بالتّوحيد ، واستهزائهم بآياته ، أمر نبيّه صلىاللهعليهوآله بتوضيح بطلان دينهم ، وأنّه ممّا ينكره العقل بقوله : ﴿قُلْ﴾ لهم إنكارا على نفسك ، وعلى كلّ عاقل : ﴿أَ نَدْعُوا﴾ ونعبد ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ القادر على كلّ نفع وضرّ ﴿ما لا يَنْفَعُنا﴾ شيئا إن عبدناه ﴿وَلا يَضُرُّنا﴾ إن تركناه ﴿وَ﴾ هل ﴿نُرَدُّ﴾ ونرجع من مقام العلم وكمال العقل ، وملّة التّوحيد ودين الإسلام ﴿عَلى أَعْقابِنا﴾ وجهلنا الذّاتي وضلالنا الجبلّي الباعثين الى الإشراك ﴿بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ﴾ وأرشدنا بوساطة العقل السّليم ، ودلالة الآيات ، ومساعدة توفيقه إلى التّوحيد ودين الإسلام ، إذن نكون ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ﴾ وذهبت به ﴿الشَّياطِينُ﴾ ومردة الجنّ والغيلان ، وأضلّته ﴿فِي﴾ مفاوز ﴿الْأَرْضِ﴾ .
قيل : إنّه مبنيّ على ما زعمته العرب من أنّ الغيلان تستهوي الانسان (٢) ، وقيل : إنّ المعنى : كالذي
__________________
(١) تفسير الرازي ١٣ : ٢٨.
(٢) تفسير الصافي ٢ : ١٣٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
