عن الاستهزاء بالآيات ، و﴿يَخُوضُوا﴾ ويشرعوا ﴿فِي حَدِيثٍ﴾ وكلام ﴿غَيْرِهِ﴾ .
قيل : إنّ الخطاب للنبيّ صلىاللهعليهوآله ، والمراد غيره (١) ، وقيل : الخطاب لغيره ، والمراد : إذا رأيت أيّها السّامع (٢) .
نقل أنّ المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله صلىاللهعليهوآله وفي القرآن فشتموا واستهزءوا ، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتّى يشتغلوا بحديث غيره (٣) .
ثمّ عذّرهم في حال النّسيان بقوله : ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ أمرنا بترك مجالستهم وقعدت معهم ، فلا بأس عليك إذن ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ والالتفات إلى أمرنا ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ حيث وضعوا التّكذيب والاستهزاء موضع التّصديق والاستعظام ، أو على أنفسهم بذلك.
عن ابن عبّاس رضى الله عنه ، قال المسلمون : لئن كنّا كلّما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم ، لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام ، وأن نطوف بالبيت (٤) ؛ لأنّهم يخوضون أبدا.
فرخّص الله المؤمنين في مجالستهم عند ذلك مع الوعظ والتّذكير بقوله : ﴿وَما عَلَى﴾ المؤمنين ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ويجتنبون قبائح أعمال الخائضين وأقوالهم ﴿مِنْ حِسابِهِمْ﴾ وجرمهم ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يسير ﴿وَلكِنْ﴾ عليهم ﴿ذِكْرى﴾ هم ووعظهم والتّنبيه على قبائح أعمالهم وأقوالهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الخوض حياء ، أو كراهة لمساءتهم.
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ
نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ
لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ
أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾
ثمّ أكّد الله سبحانه أمره بالإعراض عن المستهزئين بقوله : ﴿وَذَرِ﴾ المشركين ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً﴾ وسخرية وهزوا بآيات الله ، أو جعلوا دينهم اتّباع الهوى والشّهوات بعبادتهم الأصنام ، أو جعلوا عيدهم - الذي هو يوم العبادة - يوم لعبهم ولهوهم ، كما عن ابن عبّاس رضى الله عنه (٥) .
﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ وألهتهم شهواتها عن التّفكّر في عاقبة أمرهم ، وأعرض عن مجالستهم وملاطفتهم ، ولا تشغل قلبك بهمّهم ، ولا تبال بتكذيبهم ، بل أنذرهم بالقرآن ﴿وَذَكِّرْ﴾ هم ﴿بِهِ﴾ مخافة ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ وتسلم ﴿نَفْسٌ﴾ إلى الهلاك والعذاب ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ وعملت من القبائح
__________________
(١) تفسير الرازي ١٣ : ٢٤.
(٢ و٣) . تفسير الرازي ١٣ : ٢٥.
(٤) تفسير الرازي ١٣ : ٢٦.
(٥) تفسير الرازي ١٣ : ٢٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
