يُفَرِّطُونَ﴾ ولا يقصّرون في ما يؤمرون ، ولا يوخّرونه طرفة عين ﴿ثُمَ﴾ إنّهم بعد الموت ﴿رُدُّوا﴾ وارجعوا ﴿إِلَى اللهِ﴾ الذي هو ﴿مَوْلاهُمُ﴾ ومالكهم المتولّي لامورهم ، وهو ﴿الْحَقِ﴾ الثّابت ، أو العدل في حكمه وقضائه ﴿أَلا﴾ تنبّهوا أنّ ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ بين عباده في ذلك اليوم لا لغيره ، يحكم للمطيع بالثواب وللعاصي بالعقاب ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ﴾ .
في الاعتقادات : أنّ الله تعالى يخاطب عباده من الأوّلين والآخرين يوم القيامة بمجمل (١) حساب عملهم مخاطبة واحدة ، يسمع منها كلّ واحد قضيّته دون غيره (٢) ، ويظنّ أنّه المخاطب دون غيره ، لا يشغله عزوجل مخاطبة عن مخاطبة ، ويفرغ من حساب الأوّلين في مقدار نصف ساعة من ساعات الدّنيا(٣).
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا
مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ
أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾
ثمّ لمّا استدلّ سبحانه بسعة علمه بجميع ما في البرّ والبحر من الموجودات وأحوالها على توحيده ، استدلّ عليه بكمال قدرته على إنجاء من في البرّ والبحر من مهالكهما ، وغاية رأفته بعباده ، بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد ، للمشركين : ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ ويخلّصكم ﴿مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ والمهالك والأهوال التي تتّفق لكم فيهما في أسفاركم ؛ بحيث يظلم عليكم طريق الخلاص منها.
وقيل : إنّ المراد من الظّلمات : ظلمة اللّيل ، وظلمة السّحاب ، وظلمة الرّياح الشديدة ، وظلمة الأمواج الهائلة (٤) .
وممّن ترجون النجاة بمقتضى العقل السّليم والفطرة الأصليّة ، ومن ﴿تَدْعُونَهُ﴾ بخلوص النيّة ، وتسألونه ﴿تَضَرُّعاً﴾ باللّسان ﴿وَخُفْيَةً﴾ وفي السرّ ، وتلتزمون بالقيام بوظائف عبوديّته ، وتقولون : بالله ﴿لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ﴾ المهالك والشدائد ﴿لَنَكُونَنَ﴾ البتة بعد النّجاة منهما ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لنعمته ، المطيعين لأوامره ، والثّابتين على عبوديّته ، فإن منعهم العناد والعصبيّة من الاعتراف بمنجيهم ، مع وضوحه عندهم ، فلا تنتظر لجوابهم ، و﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها﴾ بفضله ، بل ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ وغمّ شديد ينزل بكم ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ بعد مشاهدة النّعمة واطمئنانكم بالنّجاة تنقضون العهد ولا
__________________
(١) في النسخة : بمحلّ.
(٢) في المصدر : غيرها.
(٣) الاعتقادات للصدوق : ٧٥ ، تفسير الصافي ٢ : ١٢٧.
(٤) تفسير الرازي ١٣ : ٢١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
