الدّنيا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالثّواب على الطّاعة ، والعقاب على المعصية.
﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ
وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢)﴾
﴿وَهُوَ الْقاهِرُ﴾ والمستولي ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ والمقتدر عليهم ، والمتصرّف فيهم كيف يشاء تصحيحا وتسقيما ، وإحياء وإماتة ، وتعذيبا وإثابة ، ﴿وَ﴾ من قهاريّته أنّه ﴿يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ﴾ أيّها النّاس ملائكة ﴿حَفَظَةً﴾ يحفظونكم من الآفات والعاهات والبليّات ، ويحفظون أعمالكم.
في كتابة الملائكة أعمال النّاس وبيان حكمتها
عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، في تفسير ( المعقّبات ) : « أنّهم ملائكة يحفظونه من المهالك حتّى ينتهوا [ به ] إلى المقادير فيخلّون (١) بينه وبين المقادير » (٢) .
عن ابن عبّاس رضى الله عنه : أنّ مع كلّ إنسان ملكين ؛ أحدهما عن يمينه ، والآخر عن يساره ، فإذا تكلّم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين ، وإذا تكلّم بسيّئة قال من على اليمين لمن على اليسار :
انتظره لعلّه يتوب منها ، فإن لم يتب كتب عليه (٣) .
وروي أنّ على كلّ واحد ملكين باللّيل ، وملكين بالنّهار ، يكتب أحدهما الحسنات والآخر السّيئات ، وصاحب اليمين أمير على [ صاحب ] الشّمال ، فإذا عمل العبد حسنة كتبت له بعشر أمثالها ، وإذا عمل سيّئة فأراد صاحب الشّمال أن يكتب قال له صاحب اليمين : أمسك ، فيمسك عنه ستّ ساعات أو سبع ساعات ، فإن هو استغفر الله لم يكتب عليه ، وإن لم يستغفر كتب سيئة واحدة(٤).
قيل : إنّ العبد إذا همّ بحسنة فاح من فيه رائحة المسك ، فيعلمون بهذه العلامة فيكتبونها ، وإذا همّ بسيّئة فاح من فيه رائحة النّتن (٥) .
قيل : إنّ الحكمة في كتابة الأعمال أنّ المكلّف إذا علم أنّ أعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد كان أزجر عن المعاصي ، وإنّ العبد إذا وثق بلطف سيّده واعتمد على عفوه وستره ، لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطّلعين عليه (٦) .
ثمّ بيّن أنّ حفظ الأعمال يكون مستمرّا ﴿حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ وانتهت مدّة حياتكم ﴿تَوَفَّتْهُ﴾ وقبضت روحه ﴿رُسُلُنا﴾ المأمورون بقبض الأرواح ، وهم عزرائيل وأعوانه ﴿وَهُمْ لا
__________________
(١) في مجمع البيان : فيحيلون.
(٢) مجمع البيان ٦ : ٤٣١.
(٣) تفسير الرازي ١٣ : ١٤.
(٤) تفسير روح البيان ٣ : ٤٥.
(٥) تفسير روح البيان ٣ : ٤٥.
(٦) تفسير البيضاوي ١ : ٣٠٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
