الأشجار ﴿إِلَّا﴾ وهو ﴿يَعْلَمُها﴾ قيل : إنّ المراد : أنّه تعالى يعلم عدد أوراق الأشجار ثابتها وساقطها (١)﴿وَلا حَبَّةٍ﴾ صغيرة تكون ﴿فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ﴾ وبطونها وتخومها إلّا يعلمها.
ثمّ قرّر إحاطته بجميع ذرّات عالم الأجساد بقوله : ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ﴾ من الموجودات ﴿إِلَّا﴾ وهو مكتوب ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ واللّوح المحفوظ.
في بيان فائدة كتابة الأشياء في اللوح المحفوظ
قيل : فائدة كتابة الأشياء في اللّوح المحفوظ ، مع أنّ الله منزّه عن الجهل والنّسيان ، أن الحوادث إذا كانت موافقة للمكتوب ازدادت الملائكة بذلك علما ويقينا بعظيم صفات الله واعترض عليه بأنّ الملائكة ليست من أهل التّرقّي والتّنزّل ، فقصر الفائدة على ذلك ممّا لا معنى له (٢) .
وفيه : أنّ زيادة المعرفة حظّ عظيم للملائكة ، وإن لم يحصل لهم بذلك علوّ في المقام ، لكون معرفتهم ضرورية.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى
أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾
ثمّ بالغ سبحانه في توضيح كمال قدرته وسعة علمه بأحوال العباد بقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ويمنع أرواحكم عن التّصرّف الكامل في أبدانكم ﴿بِاللَّيْلِ﴾ ويجعلكم فيها بالنوم كالميت ، كما روي أنّ النّوم أخ الموت (٣) .
عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه : « يخرج الرّوح عند النّوم ويبقى شعاعه في الجسد ، فبذلك يرى الرّؤيا ، فإذا انتبه من النّوم عادت الرّوح إلى الجسد بأسرع من لحظة » (٤) .
﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ﴾ وكسبتم بجواركم من الحسنات والسّيئات ﴿بِالنَّهارِ﴾ وفي تخصيص النّوم بالليل والاكتساب بالنّهار جري على العادة ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ ويوقظكم ﴿فِيهِ﴾ من النّوم مع علمه بما يصدر عنكم من السيّئات ليمهلكم و﴿لِيُقْضى﴾ وينقضي ﴿أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ وتستوفوا مدّة حياتكم المقدّرة في الدّنيا.
عن القمي رحمهالله : عن الباقر عليهالسلام ، في قوله : ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ قال : « هو الموت»(٥).
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ﴾ بالموت ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ لمجازاة أعمالكم ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ﴾ ويخبركم ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ في
__________________
(١) تفسير الرازي ١٢ : ٢٣٤.
(٢) تفسير روح البيان ٣ : ٤٣.
(٣ و٤) . تفسير روح البيان ٣ : ٤٤.
(٥) تفسير القمي ١ : ٢٠٣ ، تفسير الصافي ٢ : ١٢٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
