ثمّ أمره الله سبحانه بتأكيد عدم اختياره في تعذيبهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ لهم : ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدِي﴾ وفي قدرتي واختياري ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب بالله لعذّبتكم وأهلكتكم عقيب استعجالكم غضبا لربّي ، ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ وانقطع التّنازع والكلام ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ولكنّ الله لم يكل الأمر إليّ ، بل إلى إرادته وحكمته ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ وبأحوالهم ، وبصلاح التّعجيل في تعذيبهم ، أو إمهالهم بطريق الاستدراج ، ليكون عذابهم أشدّ.
﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ
وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي
كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾
ثمّ لمّا أخبر سبحانه بعلمه بأحوال الظّالمين ، أخبر بعلمه المحيط بجميع الموجودات بقوله : ﴿وَعِنْدَهُ﴾ تعالى خاصّة ، وتحت قدرته الكاملة ﴿مَفاتِحُ الْغَيْبِ﴾ وخزائنه.
وقيل : إنّ المراد بالغيب : جميع الممكنات (١) ، فإنّها من آثاره وصنائعه ، ولازم ذلك إحاطته بها وحضورها عنده.
وقيل : إنّ المراد بالمفاتح : ما يتوصّل به إلى معرفة الموجودات ، وهو علل وجودها المنتهية إلى ذاته المقدّسة التي هي علّة عللها ، والعلم بالعلّة مستلزم للعلم بالمعلولات (٢) ، ولذا ﴿لا يَعْلَمُها﴾ أحد ﴿إِلَّا هُوَ﴾ .
وقيل : إنّ المراد بالغيب : خصوص ما غاب من الحواسّ ممّا في عوالم الملكوت والجبروت (٣) .
وقيل : إنّ المراد : الخمسة التي خصّ الله علمها بذاته المقدّسة.
عن النبيّ صلىاللهعليهوآله قال : « مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلّا الله : لا يعلم ما في الأرحام إلّا الله ، ولا يعلم ما في الغد إلّا الله ، ولا يعلم متى يأتي المطر إلّا الله ، ولا يعلم بأيّ أرض تموت النّفس إلّا الله ، ولا يعلم متى تقوم السّاعة إلّا الله » (٤) .
ثمّ أنّه تعالى بعد التنبيه على علمه بجميع الموجودات ، أو خصوص ما غاب منها عن الحواسّ ، قرّر سعة علمه بجميع المحسوسات بقوله : ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ من الحيوانات والنّباتات والجمادات على اختلاف أجناسها وأنواعها وأفرادها.
ثمّ أشار إلى علمه بأحوال الموجودات بقوله : ﴿وَما تَسْقُطُ﴾ على الأرض ﴿مِنْ وَرَقَةٍ﴾ من أوراق
__________________
( ١ و٢ و٣ ) . تفسير الرازي ١٣ : ٩.
(٤) تفسير روح البيان ٣ : ٤٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
