التّوحيد ﴿نُهِيتُ﴾ ومنعت من قبل ربّي ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾ الأصنام ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ وتعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وممّا سواه ﴿قُلْ﴾ لهم قطعا لأطماعهم : إنّي ﴿لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ﴾ التي دعتكم إلى عبادة الأحجار والأخشاب وسائر ما عملته أيديكم ، مع وضوح عدم قابليّة شيء منها لعبادة الإنسان الذي هو أشرف منها ومن سائر الموجودات ، وعدم الدّاعي إليها إلّا محض الهوى ، بل أتّبع عقلي النّاهي عنها والحاكم بأنّ شيئا ممّا سوى الله لا يضرّ ولا ينفع ، فإن وافقتكم في عبادة الأصنام فإنّي ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ عن طريق الحقّ والصّواب ﴿إِذاً﴾ كما ضللتم بحكم العقل الفطري ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ إلى شيء من خير الدّنيا والآخرة كما أنتم لا تهتدون إليه. قيل : إنّ كفّار قريش كانوا يدعونه صلىاللهعليهوآله إلى دينهم (١) .
﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ
لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧)﴾
ثمّ لمّا تبرّأ عن الشّرك واتّباع الهوى ، أمره سبحانه بدعوة النّاس إلى اتّباع البرهان بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد ﴿إِنِّي﴾ في ما أنا عليه من التّوحيد والتّبرّي من الشّرك ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ عظيمة ، وحجّة واضحة كائنة ﴿مِنْ﴾ قبل ﴿رَبِّي﴾ على توحيده وسائر معارفه وصفاته. وهي كتابه النّاطق بالحقّ ، ﴿وَ﴾ أنتم ﴿كَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ وبما فيه من الآيات ، فاستعدّوا للعذاب الذي أوعده الله على الشّرك وتكذيب القرآن ، ولا تطلبوا منّي التّعجيل في نزوله ، فإنّه ﴿ما عِنْدِي﴾ وليس بإرادتي ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب ، ولا حكم لي فيه ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ في تعجيله وتأخيرهما من الأمور لأحد ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ وحده ، وكلّما يقصّ ويخبر بالعذاب أو بغيره ﴿يَقُصُ﴾ ويخبر ﴿الْحَقَ﴾ والصّدق لا خلف فيه ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾ والحاكمين بين عباده.
قيل : إنّ رؤساء قريش كانوا يستعجلون العذاب ويقولون : متى هذا الوعد ؟ استهزاء وإلزاما ، حتّى قام النّضر بن الحارث في الحطيم وقال : ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾(٢) .
﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ
بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ٤٠.
(٢) تفسير روح البيان ٣ : ٤١ ، والآية من سورة الأنفال : ٨ / ٣٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
