جبابهم - وكان عليهم جباب صوف لا غير - لجالسناك وحادثناك ، فقال عليهالسلام : ﴿ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، فقالوا : فإذا نحن جئناك فأقمهم عنّا حتّى يعرف العرب فضلنا ، فإنّ وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا مع هؤلاء ، فإذا قمنا عن مجلسك فأقعدهم معك إن شئت ، فهمّ عليهالسلام أن يفعل ذلك طمعا في إيمانهم ، فأنزل الله هذه الآية (١) .
وقد غلط من استدلّ بالآية على عدم عصمة الأنبياء عليهمالسلام.
﴿وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللهُ
بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾
ثمّ بيّن سبحانه أنّ فقر المؤمنين فتنة للأغنياء من المشركين بقوله : ﴿وَكَذلِكَ﴾ الفتن والابتلاء ﴿فَتَنَّا﴾ وابتلينا ﴿بَعْضَهُمْ﴾ الأغنياء ﴿بِبَعْضٍ﴾ الفقراء من المؤمنين ، بأن قدّمناهم وفضّلناهم مع فقرهم على أشراف قريش في أمر الدّين ﴿لِيَقُولُوا﴾ في العاقبة ؛ لجهلهم بمناط الفضل عند الله ، مشيرين إلى فقراء المؤمنين ، محقّرين لهم : ﴿أَ هؤُلاءِ﴾ الفقراء الأذلّاء ﴿مَنَّ اللهُ﴾ وأنعم ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بالهداية والتّوفيق لإصابة الحقّ ﴿مِنْ بَيْنِنا﴾ ونحن الأشراف والرّؤساء.
قيل : إنّ رؤساء الكفّار وأغنياءهم كانوا يحسدون فقراء الصّحابة على كونهم سابقين في الإسلام ، مسارعين إلى قبوله ، فقالوا : لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء المساكين ، وأن نعترف لهم بالتّبعيّة ، فكان ذلك يشقّ عليهم (٢) . فردّهم الله بقوله : ﴿أَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ لنعمة هدايته ، والتّوفيق للإيمان والعمل الصّالح.
ففيه تنبيه على أنّ علّة تقريبهم والإنعام عليهم شكرهم لنعمة الرّسول والقرآن ، والتّسليم لحكمهما ، وهؤلاء المشركون بمعزل من ذلك.
﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ
رَحِيمٌ (٥٤)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد النّهي عن إهانة المؤمنين أمر نبيّه صلىاللهعليهوآله بإكرامهم بقوله : ﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ ويسلّمون لدلائل توحيدنا وإعجاز كتابنا ﴿فَقُلْ﴾ تكريما لهم وتعطّفا بهم : ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ٣٦.
(٢) تفسير الرازي ١٢ : ٢٣٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
