وقيل : إنّ المعنى : أنّ ضرر أعمالهم لا يرجع إليك ، كما أن ضرر أعمالك لا يعود إليهم (١) .
وقيل : إنّ رزقهم ليس عليك ، كما أنّ رزقك ليس عليهم (٢)﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ عنك ، لذلك إذن فلا تطردهم ﴿فَتَكُونَ﴾ بسبب طردهم ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ على نفسك بحرمان الأجر ، وعليهم بمنعهم ممّا يستحقّون من مزيد التقرّب والإلطاف.
في بيان حال أصحاب الصفّة
عن القمّي رحمهالله قال : كان سبب نزولها أنّه كان بالمدينة قوم فقراء مؤمنون يسمّون أصحاب الصفّة (٣) ، وكان رسول الله صلىاللهعليهوآله أمرهم أن يكونوا في صفّة يأوون إليها ، وكان رسول الله صلىاللهعليهوآله يتعاهدهم بنفسه ، وربّما يحمل إليهم ما يأكلون ، وكانوا يختلفون إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله فيقرّبهم ويقعد معهم ويؤنسهم ، وكان إذا جاء الأغنياء والمترفون من أصحابه ينكرون عليه ذلك ويقولون : اطردهم عنك ، فجاء يوما رجل من الأنصار إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله وعنده رجل من أصحاب الصفّة قد لزق برسول الله صلىاللهعليهوآله يحدّثه ، فقعد الأنصاري بالبعد منهما ، فقال له رسول الله صلىاللهعليهوآله : « تقدّم » ، فلم يفعل ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : « لعلّك خفت أن يلزق فقره بك ؟ ! » . فقال الأنصاري : اطرد هؤلاء عنك. فأنزل الله : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية (٤) .
وعن عبد الله بن مسعود ، أنّه قال : مرّ الملأ من قريش على رسول الله صلىاللهعليهوآله وعنده صهيب وخبّاب وبلال وعمّار وغيرهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمّد ، أرضيت بهؤلاء عن قومك ؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء ؟ فاطردهم عن نفسك ، فلعلّك إن طردتهم اتّبعناك ، فقال عليهالسلام : ﴿ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، فقالوا : فأقمهم عنّا إذا جئنا ، فإذا قمنا فاقعدهم معك إن شئت ، فقال : « نعم » طمعا في إيمانهم (٥) .
وروي أنّ عمر قال له : لو فعلت حتّى ننظر إلى ما ذا يصيرون ، ثمّ ألحّوا وقالوا للرّسول صلىاللهعليهوآله : اكتب لنا بذلك كتابا ، فدعا بالصّحيفة وبعليّ عليهالسلام ليكتب ، فنزلت هذه الآية ، فرمى الصّحيفة ، وأعتذر عمر عن مقالته ، فقال سلمان وخبّاب : فينا نزلت ، فكان رسول الله صلىاللهعليهوآله يقعد معنا وندنو منه حتّى تمسّ ركبتنا ركبته ، وكان يقوم عنّا إذا أراد القيام ، فنزل قوله : ﴿وَاصْبِرْ*﴾(٦) الخبر.
وفي رواية : أنّ رؤساء قريش قالوا لرسول الله صلىاللهعليهوآله حين رأوا في مجلسه [ الشريف ] فقراء المؤمنين مثل [ صهيب و] عمّار وخبّاب وبلال وسلمان وغيرهم : لو طردت هؤلاء الأعبد وأرواح
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ٣٦.
(٢) تفسير الرازي ١٢ : ٢٣٧.
(٣) الصفّة : وهو مكان مظلّل في مسجد المدينة يأوي إليه فقراء المهاجرين ويرعاهم الرسول صلىاللهعليهوآله.
(٤) تفسير القمي ١ : ٢٠٢ ، تفسير الصافي ٢ : ١٢٣.
(٥) تفسير الرازي ١٢ : ٢٣٤.
(٦) تفسير الرازي ١٢ : ٢٣٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
