﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا
شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾
ثم أمره الله سبحانه بإنذار الناس على حسب وظيفة الرسالة بقوله : ﴿وَأَنْذِرْ﴾ بالقرآن أو بما يوحى إليك ، وخوف ﴿بِهِ﴾ من عقاب الله ﴿الَّذِينَ﴾ يعتقدون بالمعاد كالمؤمنين وأهل الكتاب ، والذين يترددون فيه من أهل الشرك ﴿يَخافُونَ﴾ من ﴿أَنْ﴾ يحيوا ، و﴿يُحْشَرُوا﴾ من قبورهم ، ويساقوا ﴿إِلى رَبِّهِمْ﴾ وحكمه لجزاء أعمالهم ، في حال ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ وممن سواه ﴿وَلِيٌ﴾ وناصر يدافع عنهم العذاب بالقوة والقهر ﴿وَلا شَفِيعٌ﴾ يشفع لهم في أن يعفى عن عقوبتهم ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ ولأجل أنهم ﴿يَتَّقُونَ﴾ ويحترزون عن العقائد الفاسدة والأعمال السيئة ، ويتوبون من ذنوبهم الموبقة.
عن ابن عباس رضى الله عنه ، قال : معناه : إنذارهم لكي يخافوا في الدنيا ، وينتهوا عن الكفر والمعاصي (١) .
﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ
حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ
الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾
ثم لما بين سبحانه مهانة المشركين عنده واستحقاقهم عذابه ، نهى نبيه صلىاللهعليهوآله عن إهانة المؤمنين وتبعيدهم عن مجلسه بقوله : ﴿وَلا تَطْرُدِ﴾ ولا تبعد عن محضرك المؤمنين ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ ويعبدون ﴿رَبَّهُمْ﴾ ويصلون ﴿بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ﴾ صلاة الصبح والعصر ، أو يذكرونه في كل حال ، وهم ﴿يُرِيدُونَ﴾ بعبادتهم ودعائهم وذكرهم ﴿وَجْهَهُ﴾ ومرضاته ، لا الرياء والسمعة وسائر الأعراض الدنيوية.
ثم أكد النهي ببيان عدم العلة لطردهم بقوله : ﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ حتى تملهم.
قيل : إن المشركين قالوا : يا محمد ، إنهم اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولا وملبوسا عندك ، وإلا فهم فارغون عن دينك (٢) .
فقال الله : ليس عليك ضرر عقائدهم الباطنية ، وأعمالهم السيئة الخفية حتى تستحقهرهم ، وتطعن في إيمانهم فيسوغ لك طردهم ، وإنما عليك الاعتبار بظاهر حالهم وهو اتسامهم بسمة المتقين ﴿وَما مِنْ حِسابِكَ﴾ وجزاء أعمالك ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وبيدهم ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ حتّى تخافهم وتتنفّر منهم.
__________________
(١) تفسير الرازي ١٢ : ٢٣٣.
(٢) تفسير الرازي ١٢ : ٢٣٦ ، تفسير روح البيان ٣ : ٣٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
