مَلَكٌ﴾ من الملائكة حتى تكلفوني الرقي إلى السماء ، أو تتوقعوا مني أن لا آكل الطعام ولا أمشي بين الناس.
قيل : إن المشركين قالوا : إن كنت رسولا من عند الله فاطلب من الله أن يوسع علينا منافع الدنيا وخيراتها ، ويفتح علينا أبواب السعادات (١) . وكانوا يقولون : إن كنت رسولا فأخبرنا عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار ، حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح ، ولدفع المضار (٢) . وكانوا يقولون : ما لهذا الرسول يأكل الطعام (٣) .
وقيل : إن المقصود من القضية التبري من دعوى الالوهية (٤) .
ثم أنه صلىاللهعليهوآله بعد التبري عن الدعاوى الثلث ، أثبت لنفسه النبوة التي هي أعلى الكمالات البشرية ، وامتيازه عن سائر الناس بمنصب الرسالة ، بقوله : ﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾ في قولي وعملي ﴿إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ﴾ من ربي ، دون رأيي واجتهادي ، ولا أؤدي إليكم إلا من قبل الله تعالى. وهي من الكمالات الممكنة للبشر ، لا مجال لا ستبعاد ثبوتها له ، فضلا عن الجزم بعدمها.
عن الرضا عليهالسلام ، أنه سئل يوما وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه ، وقد كانوا تنازعوا في الحديثين المختلفين عن رسول الله صلىاللهعليهوآله في الشيء الواحد ، فقال عليهالسلام « إن الله عزوجل حرم حراما وأحل حلالا وفرض فرائض ، فما جاء في تحليل ما حرم الله ، أو تحريم ما أحل الله ، أو رفع فريضة في كتاب الله رسمها [ بين ] قائم بلا ناسخ (٥) نسخ ذلك ، فذلك شيء لا يسع الأخذ به ؛ لأن رسول الله صلىاللهعليهوآله لم يكن ليحرم ما أحل الله ، ولا ليحل ما حرم الله ، ولا ليغير فرائض الله وأحكامة ، وكان في ذلك كله متبعا مسلما مؤديا عن الله عزوجل ، وذلك قول الله عزوجل : ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ﴾ فكان عليهالسلام متبعا لله مؤديا عن الله ما امر به من تبليغ الرسالة » (٦) .
ثم أكد عدم تساويه لسائر الناس بوجود ملاك الرسالة فيه من البصارة في قلبه ، ومعرفته الكاملة بالله بقوله : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ والجاهل والعالم بالله وبحقائق الأمور ، والضال والمهتدي إلى الحق وإلى كل خير ، لا يستوون عند الله ﴿أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ قيل : إن التقدير : ألا تسمعون كلامي الحق فتتفكرون فيه (٧) حتى تعرفوا الفرق بين الالوهية ، والنبوة ، والبشرية ، وبين الجاهل بكل شيء والعالم بجميع الأشياء.
__________________
( ١ و٢ و٣ ) . تفسير الرازي ١٢ : ٢٣٠.
(٤) تفسير البيضاوي ١ : ٣٠٢.
(٥) في النسخة : نسخ.
(٦) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ٢ : ٢٠ / ٤٥ ، تفسير الصافي ٢ : ١٢٢.
(٧) تفسير أبي السعود ٣ : ١٣٧ ، تفسير روح البيان ٣ : ٣٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
