الأصنام ، ومعارضة الرسل ، وتوغلهم في المعاصي ، وانهماكهم في الشهوات ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾ لذلك ﴿ما ذُكِّرُوا﴾ وو عظوا ﴿بِهِ﴾ من البليات اللاتي كانت ، أخذهم بها لاجل أتعاضهم بها وتوبتهم من الشرك والمعاصي ، استدرجناهم بأن ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ من جميع الجهات ﴿أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من المنافع التي كانت مغلقة عنهم ، وكثرنا عليهم النعم من الصحة والقوة والسعة ﴿حَتَّى إِذا فَرِحُوا﴾ وبطروا ﴿بِما أُوتُوا﴾ من النعم ، واشتغلوا باللذات ، وانهمكوا في الشهوات ﴿أَخَذْناهُمْ﴾ بعذاب الاستئصال ﴿بَغْتَةً﴾ وفجأة ﴿فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من النجاة ، متحسرون على ما فاتاهم من النعم الدنيوية والآخروية.
قيل : إن عذاب الاستدراج أشد ، لكون التحسر فيه أشد (١) .
عن الباقر (٢) عليهالسلام : « إذا رأيت الله يعطي على المعاصي ، فإن ذلك استدراج منه » وتلا هذه الآية (٣) .
وفي الحديث : « إذا أراد الله بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة ، ويذكره الاستغفار ، وإذا أراد الله تعالى بعبد شرا فأذنب ذنبا أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ، ويتمادى بها » (٤) .
وعن القمي رحمهالله : عن الباقر عليهالسلام : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ يعني : [ فلما ] تركوا ولا ية علي بن أبي طالب عليهالسلام ، وقد امروا بها ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ دونهم (٥) في الدنيا ، وما بسط لهم فيها ﴿أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني : بذلك قيام القائم ، حتى كأنهم لم يكن لهم سلطان قط»(٦).
وقيل : إن المقصود أنه تعالى عاملهم بتسليط المكاره والشدائد عليهم تارة ، فلم ينتفعوا به ، فنقلهم من تلك الحالة إلى ضدها وهو فتح أبواب الخيرات عليهم ، وتسهيل موجبات المسرات والسعادات لديهم ، فلم ينتفعوا [ به ] أيضا ، وهذا كما يفعله الأب الشفيق بولده ، يخاشنه تارة ، ويلاطفه اخرى طلبا لصلاحه ﴿حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا﴾ من الخيرات والنعم ، لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر ، ولا إقدام على اعتذار وتوبة ، فلا جرم ﴿أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾(٧) .
﴿فَقُطِعَ﴾ واستؤصل ﴿دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم ، وفنوا من أولهم إلى آخرهم ، ثم لما كان إهلاكهم تطهيرا للأرض ، ونعمة على الرسل والمؤمنين ، حمد ذاته المقدسة بقوله : ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ على إهلاكهم ، وتطهير الأرض منهم ، وإراحة أوليائه من شرهم.
__________________
(١) تفسير الرازي ١٢ : ٢٢٦.
(٢) في مجمع البيان وتفسير الصافي : عن النبي صلىاللهعليهوآله.
(٣) مجمع البيان ٤ : ٤٦٧ ، تفسير الصافي ٢ : ١٢٠.
(٤) علل الشرائع : ٥٦١ / ١.
(٥) في المصدر : يعني دولتهم.
(٦) تفسير القمي ١ : ٢٠٠ ، تفسير الصافي ٢ : ١٢١.
(٧) تفسير الرازي ١٢ : ٢٢٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
