﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ وهل إلى ما سواه من الأصنام تلتجئون لكشف العذاب والتخلص من الأهوال ؟
أم إليه تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعوى الوهية أصنامكم ، ومن المعلوم أنكم لا تدعون غير الله ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ وإليه خاصة تلتجئون لكشف العذاب عنكم في الدنيا والآخرة ، لمعرفتكم بالفطرت أنه لا قدرة لغيره على كشفه ﴿فَيَكْشِفُ﴾ إثر دعائكم ﴿ما تَدْعُونَ﴾ الله ﴿إِلَيْهِ﴾ من العذاب ﴿إِنْ شاءَ﴾ كشفه ، واقتضت حكمته الإجابة ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ وتتركون ﴿ما﴾ كنتم ﴿تُشْرِكُونَ﴾ به من الأصنام.
عن ابن عباس رضى الله عنه : المراد : تتركون الأصنام ولا تدعونهم لعلمكم بأنها لا تضر ولا تنفع(١).
وقيل : إن المراد : لا تذكرونها في ذلك الوقت من شدة الهول والوحشة (٢) .
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ
يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾
ثم لما ذكر سبحانه أنهم عند معاينتهم العذاب الشديد يدعونه دون غيره ، نبه على أنه قد يبتليهم بالبليات الدنيوية العادية لتأديبهم ، وصرف قلوبهم إلى ذاته المقدسة وارتداعهم عن الكفر والعصيان بقوله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا﴾ رسلا ﴿إِلى أُمَمٍ﴾ كانوا ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ وقبل عصرك ، فكذبوهم وخالفوهم ﴿فَأَخَذْناهُمْ﴾ وابتليناهم ﴿بِالْبَأْساءِ﴾ والشدائد ، كالفقر والقحط ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ كالأمراض والأوجاع ، ونقصان الأموال والأنفس ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ ولأجل أنهم ﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾ إلينا ، ويخشعون لنا ، وينقادون للرسل.
﴿فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما
كانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا
فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ
ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) و (٤٥)﴾
ثم لائم المصرين منهم على الكفر ، وو بخهم بعدم تأثرهم بتلك البليات بقوله : ﴿فَلَوْ لا﴾ وهلا ﴿إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا﴾ وعذابنا ﴿تَضَرَّعُوا﴾ إلينا في دفعه والتخلص منه مع انحصار طريقه فيه ، وعدم العذر في تركه ، ثم ذمهم ببيان مانعهم عنه بقوله : ﴿وَلكِنْ قَسَتْ﴾ وصلبت ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ بحيث لم يكن فيها رقة وخوف ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ﴾ وحسن في نظرهم ﴿الشَّيْطانُ﴾ بتسويلاته ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من عبادة
__________________
(١) تفسير الرازي ١٢ : ٢٢٣.
(٢) تفسير الصافي ٢ : ١٢٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
