ثمّ حكى الله لجاج المشركين مع النبيّ صلىاللهعليهوآله باقتراحهم ، بقوله : ﴿وَقالُوا﴾ عنادا وتعنّتا ، لا طلبا لوضوح الحقّ : ﴿لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ ومعجزة غير الذي جاء به ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ كناقة صالح ، وعصا موسى ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ عظيمة حسبما اقترحتموه ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنّ نزول الآية يكون وبالا عليهم ؛ حيث إنّهم إذا لم يؤمنوا بها لهلكوا كما عن القمّي رحمهالله (١) . أو لا يعلمون أنّ إجابة مسؤولهم منافية للحكمة ؟ أو لا يعلمون أنّه لا يحسن إجابة السّؤالات التّعنّتيّة عند العقل.
عن الباقر عليهالسلام ، في هذه الآية : « سيريكم في آخر الزّمان آيات منها دابّة الأرض ، والدّجال ، ونزول عيسى بن مريم ، وطلوع الشّمس من مغربها » (٢) .
﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي
الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾
ثمّ لمّا بيّن سبحانه قدرته على إنزال كلّ آية ، وأنّ حكمته مانعة عنه ، استشهد على كمال قدرته وحكمته بخلق جميع الحيوانات ، وتنظيم امورها على وفق الحكمة بقوله : ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ﴾ وحيوان متحرّك يدبّ ويتحرّك ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ وقطر من أقطارها ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ﴾ في الجوّ ﴿بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ﴾ وجماعات ﴿أَمْثالُكُمْ﴾ محفوظة أحوالها ، مقدّرة أرزاقها وآجالها ، مفطورة على معرفة خالقها.
ومعلوم أنّ القادر على خلقها وتدبير جميع أمورها قادر على إنزال آية.
وإنّما ذكر ( جناحيه ) لدفع احتمال إرادة السّرعة من الطّيران.
ثمّ نبّه سبحانه بعد بيان هذه المعارف على وفور ما في القرآن من العلوم بقوله : ﴿ما فَرَّطْنا﴾ وما تركنا ﴿فِي﴾ هذا ﴿الْكِتابِ﴾ المنزل إليكم ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من العلوم المحتاج إليها.
ثمّ بيّن أنّ سائر الحيوانات مثلكم في الحشر إلى القيامة بقوله : ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ﴾ يوم القيامة ﴿يُحْشَرُونَ﴾ ويبعثون لإحقاق حقّهم من ظالميهم ، ولاستفاء جزائهم على ما صدر منهم من الخيرات.
عن النبيّ صلىاللهعليهوآله ، قال : « يقتصّ للجمّاء من القرناء » (٣) .
وعنه صلىاللهعليهوآله ، أنّه أبصر ناقة معقولة وعليها جهازها ، فقال : « أين صاحبها ؟ مروه فليستعد [ غدا ] للخصومة » (٤) .
__________________
(١ و٢) . تفسير القمي ١ : ١٩٨ ، تفسير الصافي ٢ : ١١٨.
(٣) تفسير الرازي ١٢ : ٢١٤.
(٤) من لا يحضره الفقيه ٢ : ١٩١ / ٨٦٧ ، تفسير الصافي ٢ : ١١٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
