وعن ابن عبّاس رضى الله عنه : أنّ الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف أتى النبيّ صلىاللهعليهوآله في نفر من قريش ، فقالوا : يا محمد ، آتنا بآية من عند الله كما كانت الأنبياء تفعل ، فإنّا نصدّق بك ، فأبى الله أن يأتيهم بها ، فأعرضوا عن رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فشقّ ذلك عليه فنزلت هذه الآية (١) .
ثمّ أشار سبحانه إلى علّة عدم إنزال ما اقترحوه من الآية بقوله : ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ﴾ هدايتهم إلى الحقّ ﴿لَجَمَعَهُمْ﴾ وألزمهم ﴿عَلَى الْهُدى﴾ ودين الحقّ ، ولكن لم يشأ ذلك لخبث ذاتهم ، وغاية فساد أخلاقهم ، فمنعهم التّوفيق ، وشملهم الخذلان ﴿فَلا تَكُونَنَ﴾ ألبتّة ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ بقدرة الله وحكمته ، وبخبث المشركين وعدم قابليّتهم للهداية.
عن القميّ رحمهالله : مخاطبة للنّبيّ صلىاللهعليهوآله والمعنيّ النّاس (٢) .
عن النبيّ صلىاللهعليهوآله : « يا علي ، إنّ الله قد قضى الفرقة والاختلاف على هذه الامّة ، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى حتّى لا يختلف اثنان من هذه الامّة ولا ينازع في شيء من أمره ، ولا يجحد المفضول لذي الفضل فضله » (٣) .
﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾
ثمّ نبّه الله سبحانه على علّة عدم هدايتهم ، وعدم تأثّرهم بالآيات والمواعظ بقوله : ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ﴾ دعوتك إلى التّوحيد والإيمان بك ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ مواعظك سمع القبول ، ويفهمون كلامك فهم تدبّر ، لا الّذين لا يسمعون دعوتك ، ولا يفهمون كلامك ؛ فإنّهم بمنزلة الموتى لا سمع لهم ولا فهم ، حتّى يتأثّروا بمواعظك ، ويهتدوا بهدايتك ﴿وَ﴾ هؤلاء ﴿الْمَوْتى﴾ سوف ﴿يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ ويخرجهم أحياء من قبورهم ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ﴾ وإلى حكمه ﴿يُرْجَعُونَ﴾ في القيامة ؛ فيجازيهم على كفرهم ، فحينئذ يسمعون ويستجيبون ولكن لا ينفعهم.
قيل : إنّما سمّى الله الكفّار موتى ؛ لأنّ العقل والمعرفة حياة الرّوح ، والرّوح حياة الجسد ، فكما أنّ الجسد إذا فارقه الرّوح يكون ميتا ، فكذا الرّوح إذا فارقه العقل والمعرفة يكون ميتا ، فموتهم يكون روحانيّا.
﴿وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
لا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾
__________________
(١) تفسير الرازي ١٢ : ٢٠٧.
(٢) تفسير القمي ١ : ١٩٨ ، تفسير الصافي ٢ : ١١٨.
(٣) كمال الدين : ٢٦٤ / ١٠ ، تفسير الصافي ٢ : ١١٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
