﴿وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى
رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ
تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد حكاية تكذيبهم لآيات الله ، حكى عنهم إنكار المعاد بقوله : ﴿وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا﴾ وتعيّشنا فيها ، ثمّ نموت بعده ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ من القبور ، ومخرجين منها إلى النّشور.
ثمّ بيّن الله أنّ إنكارهم سيعود إلى الإقرار ، بقوله : ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ وحبسوا للسّؤال في محضر عدله كما يحبس العبد الجاني بين يدي مولاه للعتاب ، أو المراد : إذا اطّلعوا على جزاء ربّهم لترى لهم حالة فضيعة.
ثمّ ﴿قالَ﴾ ربّهم مشافهة أو بلسان الملك توبيخا لهم : ﴿أَ لَيْسَ هذا﴾ البعث ملابسا ﴿بِالْحَقِ﴾ والواقع ؟ ﴿قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ﴾ الله : إذن ﴿فَذُوقُوا﴾ واطعموا ﴿الْعَذابَ﴾ طعما ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ فى دار الدّنيا ﴿تَكْفُرُونَ﴾ بالبعث وتجحدونه.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا
عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١)﴾
ثمّ أنّ الله تعالى بعد الإعلان بغاية خسران المنكرين للتّوحيد والرّسالة ، أعلن بغاية خسران المنكرين للمعاد بقوله : ﴿قَدْ خَسِرَ﴾ وغبن في التّجارة ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ﴾ وأنكروا الرّجوع إليه في الدّار الآخرة لجزاء الأعمال ، حيث ضيّعوا رأس مالهم من العقل السّليم والفطرة الأصليّة ، واشتروا لأنفسهم العذاب الأليم الدّائم ، وفوّتوا عليها الثّواب العظيم ، وهم مستمرّون على التّكذيب ﴿حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ﴾ وظهرت عليهم ﴿السَّاعَةُ﴾ التي لا يعلم وقتها إلّا الله ﴿بَغْتَةً﴾ وفجأة.
قيل : سمّيت القيامة بالسّاعة لسرعة الحساب فيها (١) كأنّ وقته مقدار ساعة ، أو لسرعتها إلى الوقوع لكون مسافتها الأنفاس. وإنّما جعلها الله غاية لتكذيبهم مع أنّ الموت غايته ، ازديادا للتّهويل ، وإلحاقا للموت وعالم البرزخ بالقيامة. وقد روي « أنّ من مات فقد قامت قيامته » (٢) .
ثمّ بيّن الله سبحانه أنّه يحصل لهم حالتان سيّئتان ؛ إحداهما : شدّة الحسرة بقوله : ﴿قالُوا﴾ حين رأوا
__________________
(١) تفسير الرازي ١٢ : ١٩٨.
(٢) تفسير الرازي ١٢ : ١٩٨ ، تفسير روح البيان ٣ : ٢٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
