﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾
ثمّ بعد ذكر طعنهم في القرآن ، وتكذيبهم أنّه كلام الله ، ذكر معاملتهم معه بقوله : ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ﴾ النّاس ﴿عَنْهُ﴾ ويمنعونهم عن الإيمان به ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ ويتباعدون ﴿عَنْهُ﴾ بأنفسهم إظهارا لغاية نفورهم منه ، وتأكيدا لنهيهم عنه وقيل : إنّ الضّميرين راجعان إلى الرّسول صلىاللهعليهوآله (١) . ﴿وَ﴾ الحال ﴿إِنْ يُهْلِكُونَ﴾ هلاك الأبد ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بسعيهم في إطفاء نور الحقّ ، ولا يتعدّى ضرره إلى غيرهم ، ﴿وَ﴾ لكن ﴿ما يَشْعُرُونَ﴾ ولا يدركون هذا الأمر الواضح لغاية غباوتهم.
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾
ثمّ بيّن كيفيّة هلاكهم بقوله : ﴿وَلَوْ تَرى﴾ يا محمّد ، أو أيّها الرّائي اولئك الكفّار ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ وأشرفوا ﴿عَلَى النَّارِ﴾ والدّخول فيها ، لرأيت أمرا هائلا عظيما لا يمكن بيانه. وقيل : إنّ جواب ( لو ) ما يفهم من قوله : ﴿فَقالُوا﴾ قيل : التّقدير : إنّهم ينوحون ويقولون تمنّيا : ﴿يا لَيْتَنا نُرَدُّ﴾ ونرجع الى الدّنيا وعالم التّكليف ، ونتدارك سيّئاتنا ، ﴿وَ﴾ أن ﴿لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ وأدلّة توحيده ، ورسالة رسوله ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ به وبنبيّه.
﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ
لَكاذِبُونَ (٢٨)﴾
ثمّ ردّهم الله سبحانه بأنّ هذا التّمنّي ليس للرّغبة في الإيمان ، وترك التّكذيب ﴿بَلْ﴾ لأجل أنّه ﴿بَدا﴾ وظهر ﴿لَهُمْ﴾ بشهادة الجوارح ، أو تجسّم العقائد والأعمال ﴿ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ من الكفر والجحود ، وبغض الرّسول ، وسيّئات الأعمال ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ وفي دار الدّنيا ، أو في موطن قالوا : ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فخافوا من الوقوع في النّار [ حين ] وقفوا عليها ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ وارجعوا إلى الدّنيا فرضا ، واطمأنّوا بالخلاص من العذاب ، والله ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ورجعوا إلى الكفر والطّغيان ، واستمرّوا على الطّريقة لغفلتهم عن ما رأوا في القيامة وغلبة حبّ الدّنيا والشّهوات عليهم ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في التّمنّي المتضمّن للإخبار بإيمانهم ، وإصلاح أعمالهم بعد الرّجوع إلى الدّنيا.
عن القمّي رحمهالله : نزلت في بني اميّة (٢) .
__________________
(١) تفسير الرازي ١٢ : ١٨٩.
(٢) تفسير القمي ١ : ١٩٦ ، تفسير الصافي ٢ : ١١٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
