السّاعة وشدّة أهوالها ، عن النبيّ صلىاللهعليهوآله : « يرى أهل النّار منازلهم من الجنّة فيقولون : ﴿يا حَسْرَتَنا﴾(١) وندامتنا ﴿عَلى ما فَرَّطْنا﴾ وقصّرنا ﴿فِيها﴾ وفي مراعاة حقّها ، وتهيئة ما يوجب السّلامة فيها من العذاب من الإيمان بالله وبهذا اليوم ، وتحصيل الأعمال الصّالحة.
عن ابن عبّاس رضى الله عنه : على ما فرّطنا في الدّنيا (٢) .
ثمّ بيّن الحالة الاخرى بقوله : ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ﴾ حين خروجهم من القبور ﴿أَوْزارَهُمْ﴾ وأثقال ذنوبهم ﴿عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا﴾ أيّها النّاس تنبّهوا أنّه ﴿ساءَ﴾ وبئس الشيء ﴿ما يَزِرُونَ﴾ ويحملون من الثّقل في ذلك اليوم.
قال بعض المفسّرين : روي أنّ المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحا ، ويقول : أنا عملك الصّالح ، طالما ركبتك في الدّنيا فاركبني أنت اليوم ، فذلك قوله : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾(٣) ، قالوا : ركبانا. وأنّ الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحا ، فيقول : أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدّنيا ، فأنا أركبك اليوم ، فذلك قوله : ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ﴾(٤) .
﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا
تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾
ثمّ لمّا كان حبّ الدّنيا ولذّاتها مانعا عن التّفكير في الآيات الدّالّة على البعث وعن الاعتراف به وباعثا على إنكاره ، بيّن الله غاية خساسة الدّنيا ولذّاتها ، وكمال شرف الآخرة بقوله : ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ والتّعيّش فيها ، والتّلذّذ بما فيها ﴿إِلَّا لَعِبٌ﴾ وإلتذاذ سفهي سريع الانقضاء ﴿وَلَهْوٌ﴾ وشاغل عن ذكر الله وتكميل النّفس ، وهما لا يصلحان إلّا للصّبيان والجهّال ، ﴿وَ﴾ بالله ﴿لَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ ونعمها لشرفها ودوامها وخلوصها عن الكدورات - عن ابن عبّاس رضى الله عنه : هي الجنّة (٥) - ﴿خَيْرٌ﴾ وأفضل وأصلح في حكم العقل ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الله ويجتنبون الموبقات ﴿أَ فَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيّها النّاس وتفهمون ذلك ؛ حتّى تعلموا ما تنالون به ما هو خير وأبقى.
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ
اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾
__________________
(١) مجمع البيان ٤ : ٤٥٣ ، تفسير الصافي ٢ : ١١٥.
(٢) تفسير الرازي ١٢ : ١٩٨.
(٣) مريم : ١٩ / ٨٥.
(٤) تفسير الرازي ١٢ : ١٩٩.
(٥) تفسير الرازي ١٢ : ٢٠٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
