عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قال : وقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : « إنّ لكلّ امّة مجوسا ، ومجوس هذه الامّة الّذين يقولون : لا قدر ، ويزعمون [ أنّ ] المشيئة والقدرة إليهم ولهم » (١) .
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا
إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾
ثمّ لمّا بيّن الله سوء حال المشركين في الآخرة ، ذكر سوء حالهم في الدّنيا ، وشدّة قساوة قلوبهم ، وعدم تأثّرهم بالآيات [ بقوله : ]﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ حين تقرأ القرآن.
عن ابن عبّاس رضى الله عنه قال : حضر عند رسول الله صلىاللهعليهوآله أبو سفيان ، والوليد بن المغيرة ، والنّضر بن الحارث ، وعقبة وعتبة وشيبة أبناء ربيعة ، واميّة وأبيّ ابنا خلف ، والحارث بن عامر ، وأبو جهل ، واستمعوا إلى حديث رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فقالوا للنّضر : ما يقول محمّد ؟ فقال : لا أدري ما يقول ، لكنّي أراه يحرّك شفتيه ويتكلّم بأساطير الأولين كالذي كنت أحدّثكم به عن أخبار القرون الاولى ، وقال أبو سفيان : إنّي لأرى بعض ما يقول حقّا. فقال أبو جهل : كلّا ، فأنزل الله تعالى : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾(٢) .
﴿وَجَعَلْنا﴾ وأنشأنا ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ من الكبر والحسد وحبّ الدّنيا ، وسائر الأخلاق الذّميمة ﴿أَكِنَّةً﴾ وأغطية مانعة من دخول الآيات فيها وتأثّرها بها كراهة ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ ويفهموه حقّ الفهم ، ﴿وَ﴾ جعلنا ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْراً﴾ وصمما كراهة أن يسمعوها حقّ الاستماع.
وفيه مبالغة في غاية جهلهم بشؤون القرآن ، وتأبّيهم عن قبول الحقّ ، وبعدهم عن الهداية.
ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر طبع قلوبهم ، وصمم آذانهم ، أشار إلى عمى أعينهم بقوله : ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ من آيات ربّهم ومعجزة من معاجزك ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ ولا يصدّقوا إعجازها ، لفرط عنادهم وعتوّهم عن قبول الحقّ ، بل لا يكتفون بعدم الإيمان ، ويشاقّون الله ﴿حَتَّى﴾ إنّهم ﴿إِذا جاؤُكَ﴾ وحضروا عندك وسمعوا منك القرآن ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ ويخاصمونك في أنّه كلام الله و﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على معاندة الحقّ : ﴿إِنْ هذا﴾ القرآن ، وما هو ﴿إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ والتّرّهات التي سطّرت في كتب السّابقين ، مع وضوح أنّه أصدق الحديث وأحسنه عندهم.
__________________
(١) تفسير القمي ١ : ١٩٩ ، تفسير الصافي ٢ : ١١٤.
(٢) تفسير الرازي ١٢ : ١٨٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
