من السّماء ﴿كِتاباً﴾ تماما كالتّوراة ، وكان مكتوبا ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ وورق كما اقترحوه وشاهدوا نزوله بأعينهم ﴿فَلَمَسُوهُ﴾ بعد نزوله ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ كي لا يبقى لهم شكّ في كونه كتابا نازلا من السّماء ، والله ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر طعنا فيه ، وعنادا للحقّ : ﴿إِنْ هذا﴾ الكتاب ، وما هو ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وشعبذة ظاهرة لكلّ أحد.
روي أنّ بعض المشركين قالوا : يا محمّد ، لن نؤمن لك حتّى تأتينا بكتاب من عند الله ، معه أربعة من الملائكة يشهدون أنّه من عند الله ، وأنّك رسوله ، فأنزل الله : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ﴾ الآية (١) .
﴿وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ
جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٨) و (٩)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد حكاية بعض اقتراحات المشركين ، حكى بعض اعتراضاتهم على النبيّ صلىاللهعليهوآله بقوله : ﴿وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ يشهد بصدق نبوّته ، فإنّه أقرب إلى قبول قوله ؛ لأنّ كلّ من يرى الملك يقبل قوله ، ويؤمن به ، فرد الله ذلك بقوله : ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنا﴾ من السّماء ﴿مَلَكاً﴾ بصورته الأصليّة ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ وانقطع صحّة التّكليف ، لكون إيمانهم بالإلجاء كما في القيامة ، فحقّ إهلاكهم ﴿ثُمَ﴾ إذن ﴿لا يُنْظَرُونَ﴾ ولا يمهلون ، فيفاجأهم عذاب الاستئصال ؛ لكون رؤية الملك كرؤية الآخرة لا ينفع الإيمان بعدها ، ﴿وَ﴾ لذا ﴿لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً﴾ يعاينوه ﴿لَجَعَلْناهُ رَجُلاً﴾ وصوّرناه بصورة البشر كضيفان إبراهيم ولوط ، وكالملكين المتخاصمين عند داود ، وكجبرئيل المتصوّر عند النبيّ بصورة دحية الكلبي ؛ لأنّ الأبصار لا تقوى لرؤية الملك في هذا العالم الجسماني ، ﴿وَ﴾ إذن ﴿لَلَبَسْنا﴾ وشبّهنا (٢) الأمر ﴿عَلَيْهِمْ﴾ نحو ﴿ما يَلْبِسُونَ﴾ ويشبّهون (٣) ؛ لأنّهم يظنّون أنّه بشر ، فيعود اعتراضهم بقولهم : ﴿ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾(٤) ، ولذا استحال أن يجعل الرّسل ملائكة لعدم الفائدة فيه.
في محاجة النبيّ صلىاللهعليهوآله مع المشركين
عن العسكري عليهالسلام ، قال : « قلت لأبي عليّ بن محمّد : هل كان رسول الله صلىاللهعليهوآله يناظر اليهود والمشركين إذا عاتبوه ويحاجّهم ؟ قال : [ بلى ] مرارا كثيرة ، إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله كان قاعدا ذات يوم بفناء الكعبة ، إذ ابتدأ عبد الله بن [ أبي ] اميّة المخزومي فقال : يا محمّد ، لقد ادّعيت دعوى عظيمة ، وقلت مقالا هائلا ، زعمت أنّك رسول ربّ العالمين ، ولا ينبغي
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ١١.
(٢) في النسخة : واشتبهنا.
(٣) في النسخة : يشتبهون.
(٤) المؤمنون : ٢٣ / ٢٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
