ثمّ لمّا كان بيان هذه المعارف من النبيّ الاميّ بالعبارات التي فيها الإعجاز من الأدلّة الواضحة على صدق نبوّته ، وبّخ سبحانه المشركين على عدم الالتفات إليها ، وترك التّأمّل فيها والاعتناء بها بقوله : ﴿وَما تَأْتِيهِمْ﴾ وما ينزل عليهم ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ وحجّة واضحة ﴿مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ﴾ وحججه الباهرة على صدق نبوّته ﴿إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ وبها غير معتنين ، بل إلى تكذيبها مسارعين ، بل بها مستهزئين ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِ﴾ والقرآن المقترن بدلائل الصّدق ، أو بمحمّد صلىاللهعليهوآله ﴿لَمَّا جاءَهُمْ﴾ وأنزل إليهم ، أو بعث فيهم ، واستهزؤا به ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ ويبيّن لهم ﴿أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ وصدق ما أخبروا به من العذاب في الدّنيا بقتلهم بأيدي المسلمين ، وفي الآخرة بتصليتهم في نار الجحيم.
﴿أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ
وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ
بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦)﴾
ثمّ أشهد على صدق وعيده بما نزل من العذاب على الامم الماضية ووعظهم به بقوله : ﴿أَ لَمْ يَرَوْا﴾ أولئك المكذّبون ، ولم يعلموا علما يكون بمنزلة الرّؤية ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ بعذاب الاستئصال ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ وأهل عصر ، كقوم عاد وثمود ، وقوم نوح ولوط وأضرابهم.
ثمّ كأنّه قيل : كيف كان حالهم ؟ فأجاب بقوله : ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ وأقدرناهم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ وأعطيناهم من البسطة في الجسم والسّعة في المال ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ومقدارا لم نعطكموه ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ﴾ وأنزلنا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ مطرا ﴿مِدْراراً﴾ غزيرا متتابعا ﴿وَجَعَلْنَا﴾ وصيّرنا ﴿الْأَنْهارَ﴾ الكثيرة ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ في مساكنهم وبساتينهم ، فهم لم يشكروا تلك النّعم ، بل قابلوها بالكفر والتّكذيب للرّسل والاستهزاء بالآيات ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ﴾ بعذاب الاستئصال ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ وسيئات عقائدهم وأعمالهم ، ولم يعظم علينا إهلاكهم ، لأنّا عمّرنا الأرض بغيرهم ﴿وَأَنْشَأْنا﴾ وخلقنا ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ بدلا منهم ﴿قَرْناً آخَرِينَ﴾ فاعتبروا أيّها المشركون بهم ، وأحذروا أن تكونوا مثلهم ، ويعاملكم الله معاملتهم بكفركم وطغيانكم.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا
إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾
ثمّ قطع الله رجاء رسوله عن إيمانهم بعد التّهديد والوعظ ورؤية الآيات بقوله : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ﴾
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
