فهو الذي لو بقي ذلك المزاج ولم تعترضه العوارض الخارجيّة ، لانتهت مدّة بقائه إلى أنّ تتحلّل رطوبته وتنطفئ حرارته الغريزيّتان. وأمّا الاخترامي : فهو الذي يحصل بالعوارض كالغرق والحرق وغيرهما من المهلكات (١) .
وقيل : إنّ المراد من الأجل المقضيّ : مدّة عمره في الدّنيا ، ومن الأجل المسمّى : مدّة عمره في الآخرة ، فإنّه لا آخر لها ، ولا يعلم كيفيّة الحال فيها إلّا الله (٢) .
وقيل : إنّ الأوّل مدّة حياة الدّنيا ، والثّاني مدّة البرزخ (٣) .
ثمّ بالغ سبحانه في استبعاد الشّرك منهم مع ذلك ، أو في استبعاد إنكارهم البعث بقوله : ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ أيّها المشركون ﴿تَمْتَرُونَ﴾ وتشكّون في توحيد الله ، أو البعث مع كون الإعادة أهون من الابتداء.
﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما
تَكْسِبُونَ (٣)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد تخصيص خلق العالم بنفسه خصّ استحقاق العبادة بذاته المقدّسة بقوله : ﴿وَهُوَ اللهُ﴾ والمعبود المطلق ﴿فِي السَّماواتِ﴾ والملكوت الأعلى ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ وعالم الملك.
عن الصادق عليهالسلام : « كذلك هو في كلّ مكان » (٤) .
ثمّ لمّا كانت معرفته باستحقاق العبادة لا توجب الانبعاث إليها إلّا بعد معرفته بالعلم الكامل بضمائر العباد وأعمالهم ، عرّف ذاته المقدّسة بسعة العلم بقوله : ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ وخفيّاتكم من العقائد والنيّات ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾ وإعلانكم من الأقوال والأعمال ﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ وتحصّلون لأنفسكم من الخير والشرّ ، والطّاعة والعصيان ، فيجازيكم على جميع ذلك بما تستحقّون.
عن الصادق عليهالسلام ، في رواية : « ولكن هو بائن من خلقه ، محيط بما خلق علما وقدرة وإحاطة وسلطانا ، ليس علمه بما في الأرض بأقلّ ممّا في السّماء ، لا يبعد منه شيء ، والأشياء عنده سواء علما وقدرة وسلطانا وملكا وإحاطة » (٥) .
﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ
لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥)﴾
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ٥.
(٢ و٣) . تفسير الرازي ١٢ : ١٥٣.
(٤ و٥) . التوحيد : ١٣٣ / ١٥ ، تفسير الصافي ٢ : ١٠٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
