والأرض بمنزلة الامّ.
عن الصادق عليهالسلام : « أنّه لمّا قال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ كان ردّا على الدّهريّة الّذين قالوا : إنّ الأشياء لا بدو لها وهي قائمة » (١) .
﴿وَجَعَلَ﴾ وأنشأ ﴿الظُّلُماتِ﴾ إنّما جمعها لكثرة أسبابها ﴿وَالنُّورَ﴾ أفرده لأنّه بسبب واحد ، قيل : هو النّار ، وإنّما قدّمت الظّلمات في الذّكر لكونها عدميّة ، ومقدّمة على النّور الذي هو وجودي(٢) .
روي أنّ الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثمّ رشّ عليهم من نوره (٣) .
وروي أنّها نزلت تكذيبا للمجوس في قولهم : الله خالق النّور ، والشّيطان خالق الظّلمات (٤) .
وقيل : على ذلك خلق الخير والشرّ (٥) .
عن ابن عباس رضى الله عنه ، قال : ﴿جَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ أي ظلمة الشّرك والنّفاق والكفر ، والنّور يريد نور الإسلام (٦) . وعليه يكون إفراد النّور لأنّ الحقّ واحد ، وجمع الظّلمات لأنّ الباطل كثير.
ثمّ وبّخ الله سبحانه المشركين واستبعد مع ذلك من عقلهم الشّرك بقوله : ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باعتقاد الشّرك ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ويشركون مع دلالة جميع الموجودات على وحدانيّته.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ
تَمْتَرُونَ (٢)﴾
ثمّ استدلّ بأوضح الأدلّة عند الإنسان على كمال قدرته وأتمّ النّعمة عليه بقوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وأوجدكم ﴿مِنْ طِينٍ﴾ لأنّ مبدأ وجود البشر آدم ، وهو مخلوق من طين ، أو لأنّ مبدأ وجودهم النّطفة ، وهي متكوّنة من الأغذية النّباتيّة المتولّدة من طين ﴿ثُمَ﴾ بعد الخلق ﴿قَضى﴾ وقدّر لكلّ واحد ﴿أَجَلاً﴾ خاصّا به ، وأمدا معيّنا يؤخّر إليه موته ، ﴿وَ﴾ له ﴿أَجَلٌ﴾ آخر ووقت مضروب ﴿مُسَمًّى﴾ ومعيّن ﴿عِنْدَهُ﴾ مثبّت في اللّوح المحفوظ ، لا يطّلع عليه غيره.
في أنّ لكلّ إنسان أجلين محتوم ومسمى
عن القمّي : عن الصادق عليهالسلام : « الأجل المقضيّ هو المحتوم الذي قضاه الله وحتمه ، والمسمّى هو الذي فيه البداء ، يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ، والمحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير » (٧) .
حكي عن حكماء الإسلام أنّ لكلّ إنسان أجلين : الأجل الطّبيعي ، والأجل الاخترامي. أمّا الطّبيعي ؛
__________________
(١) الاحتجاج : ٢٨ ، تفسير الصافي ٢ : ١٠٦ ، وفي الاحتجاج : وهي دائمة.
(٢) تفسير الرازي ١٢ : ١٥١.
(٣) تفسير الرازي ١٢ : ١٥١.
(٤ و٥) . تفسير روح البيان ٣ : ٣.
(٦) تفسير الرازي ١٢ : ١٥١.
(٧) تفسير القمي ١ : ١٩٤ ، تفسير الصافي ٢ : ١٠٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
