ثمّ شرع في تعداد نعمه التي أنعمها عليه بالأصالة وعلى امّه بالتّبع بقوله : ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾ وأعنتك ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وواسطة إفاضة العلوم ، وهو جبرئيل ، ولذا كنت ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ﴾ بكلام الأنبياء ، حال كونك طفلا كائنا ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ وفي حجر أمّك ﴿وَ﴾ كونك ﴿كَهْلاً﴾ من غير تفاوت في كلامك بين الوقتين والحالتين ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ﴾ السّماوي كلّه ، أو الكتابة والخط (١) - كما قيل (٢) - ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ من المعارف والأحكام ﴿وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الّذين هما أفضل الكتب ، وألهمتك الأسرار المودعة فيهما ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ﴾ وتسوّي ﴿مِنَ الطِّينِ﴾ هيئته ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ والخفافيش ﴿بِإِذْنِي﴾ وإقداري وتعليمي ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ بعد تصويرها ﴿فَتَكُونُ﴾ تلك الهيئة ﴿طَيْراً﴾ كسائر الطّيور ﴿بِإِذْنِي﴾ وإيجادي.
روي أنّ اليهود سألوا منه عليهالسلام على وجه التّعنّت ، فقالوا له : اخلق لنا خفّاشا ، واجعل فيه روحا إن كنت صادقا في مقالك ، فأخذ طينا وجعل منه خفّاشا ، ثمّ نفخ فيه فإذا هو يطير بين السّماء والأرض.
في ذكر عجائب الخفّاش
قيل : إنّما طلبوا منه خلق الخفّاش لأنّه أعجب من سائر الخلق ، ومن عجائبه أنّه لحم ودم يطير بغير ريش ، ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطّيور ، وله ضرع يجري منه اللّبن ، ولا يبصر في ضوء النّهار ولا في ظلمة اللّيل ، وإنّما يرى في ساعتين ، بعد غروب الشّمس ساعة ، وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جدّا ، ويضحك كما يضحك الإنسان ، ويحيض كما تحيض المرأة. فلمّا رأوا ذلك منه ضحكوا وقالوا : هذا سحر (٣) .
﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ والأعمى الخلقي ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ مع عجز جميع الأطبّاء عن إبرائهما وعلاجهما ﴿بِإِذْنِي﴾ وإجابتي لدعائك ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى﴾ من قبورهم بعد إحيائهم فيها ﴿بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ﴾ ومنعت ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ وعن التّعرّض لك ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ وأتيتهم بالمعجزات الباهرات ، وقصدوك بالسّوء ، وعارضوك بالجحود ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ وجحدوا نبوّتك : ما هذا بإعجاز بل ﴿إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وشعبذة ظاهرة.
﴿وَ﴾ اذكر ﴿إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ﴾ وألقيت في قلوبهم حين دعوتهم إلى الإيمان ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ قد مرّ ذكر عدد الحواريّين ، ووجه تسميتهم بهذا الاسم في سورة آل عمران (٤) .
فهم بعد إلقاء الله في قلوبهم الإيمان ﴿قالُوا﴾ : يا عيسى ﴿آمَنَّا﴾ بالله وبوحدانيّته ﴿وَاشْهَدْ﴾ عنده يوم القيامة ﴿بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ له ، منقادون لأوامره ونواهيه ، و﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ﴾ مخاطبين لك ﴿يا
__________________
(١) في تفسير الرازي : وهي الخط.
(٢) تفسير الرازي ١٢ : ١٢٥.
(٣) تفسير روح البيان ٢ : ٤٦٠.
(٤) تقدم في تفسير الآية (٥٢) من سورة آل عمران.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
