وَجْهِها﴾ ونحوه الذي تحمّلوها على الميّت من غير تحريف وخيانة ، من جهة أنّ الشّهود إمّا أن يخافوا بسبب الحلف والتّغليظ فيه من عذاب الله ﴿أَوْ يَخافُوا﴾ من ﴿أَنْ تُرَدَّ﴾ من قبل الحاكم ﴿أَيْمانٌ﴾ على الورثة ، فيحلفوا على خيانة الشّهود ﴿بَعْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ فيفتضحوا بإبطال أيمانهم على رؤوس الأشهاد والعمل بأيمان الورثة ، فأيّ الخوفين حصل ، حصل المقصود ، وهو الإتيان بالشّهادة على وجهها.
ثمّ حثّ الله سبحانه النّاس على العمل بأحكامه ، وحفظ الأمانات وردّها بقوله : ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أيّها النّاس في شهاداتكم من أن تحرّفوها ، وفي أيمانكم من أن تكذّبوا فيها ، وفي أماناتكم من أن تخونوها ، وفي أحكام دينكم من أن تخالفوها ﴿وَاسْمَعُوا﴾ مواعظ الله سمع طاعة وقبول ، ولا تكونوا من الفسّاق ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي﴾ إلى طريق الجنّة ، ولا يوفّق لعمل الخير ﴿الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ والفريق الخارجين عن حدود الشّرع والعقل.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ
الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾
في بيان بعض أهوال القيامة
ثمّ لمّا كان دأبه سبحانه في كتابه العزيز بعد ذكر جملة من الأحكام العمليّة إمّا بيان مقدار من المعارف الالهيّة تنشيطا للقلوب ، أو شرح قصّة من قصص الأنبياء واممهم اعتبارا وموعظة للنّاس وبعثا لهم إلى امتثال الأحكام ، أو ذكر أحوال القيامة ردعا لهم عن مخالفتها ، أردف الأحكام المذكورة بذكر أهوال القيامة بقوله : ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ﴾ واممهم فيه ، اذكروا أيّها المؤمنون ، وهو يوم القيامة ﴿فَيَقُولُ﴾ لهم توبيخا لاممهم : ﴿ما ذا أُجِبْتُمْ﴾ من قبل اممكم حين دعوتموهم إلى توحيدي وطاعة أحكامي ؟ أكانت إجابتهم إجابة إقرار وتسليم ، أم إجابة إنكار وجحود ؟ ﴿قالُوا﴾ تشكّيا من اممهم : ربّنا ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ بما أنت تعلم من ضمائرهم وبواطن قلوبهم ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ونحن لا نعلم إلّا ما أظهروه من الجحود والعصيان.
قيل : إنّ المراد : إنّ علمك محيط بجميع الأشياء ، وعلمنا في جنب علمك كالمعدوم ، فتعلم ما ابتلينا من قبلهم ، وكابدنا من سوء إجابتهم ، فنلتجئ إليك في الانتقام منهم (١) .
عن ابن عبّاس رضى الله عنه : أنّ هذا الجواب إنّما يكون في بعض مواطن القيامة وذلك عند زفرة جهنّم وجثوّ الامم على ركبهم ، لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلّا قال : نفسي نفسي ، فعند ذلك تطير
__________________
(١) تفسير روح البيان ٢ : ٤٥٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
