ذمّهما بلفظ واحد ، بل قيل : إنّ ذمّ تارك النّهي عن المنكر أقوى من ذمّ مرتكبه ؛ لأنّ الله تعالى قال في ذمّ تارك النّهي عن المنكر : ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ والصّنع أقوى من العمل ؛ لأنّ الصّنع هو العمل إذا صار راسخا ، فجعل ذنب تارك النّهي ذنبا راسخا (١) .
عن ابن عبّاس رضى الله عنه : هي أشدّ آية في القرآن. وقال الضحّاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها (٢) .
﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ
أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد ذمّهم وتقريعهم بأعمالهم السيئة ، ذمّهم بعقائدهم السّخيفة الفاسدة بقوله : ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ مقبوضة ممسكة عن العطاء.
قال بعض المفسّرين من العامّة : إنّ اليهود كانوا أكثر النّاس مالا وأخصبهم ناحية ، فلمّا بعث الله محمّدا صلىاللهعليهوآله وكذّبوه ضيقّ الله عليهم المعيشة ، فوصفوا الله بالبخل (٣) .
وعن الحسن : أنّهم عبّروا عن عدم تعذيبهم في الآخرة إلّا أيّاما قليلة بهذه العبارة الدالّة على العجز(٤).
وعن القمّي : [ قالوا : ] قد فرغ الله من الأمر ، لا يحدث الله [ غير ما قدّره ] في التّقدير الأوّل(٥).
وفي ( التوحيد ) : عن الصادق عليهالسلام ، في هذه الآية : « لم يعنوا أنّه هكذا ، ولكنّهم قالوا : قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص » (٦) .
وعن الرضا عليهالسلام ، في كلام له في إثبات البداء مع سليمان المروزي وقد كان ينكره ، فقال عليهالسلام : « أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب ؟ » ، قال : أعوذ بالله من ذلك ، وما قالت اليهود ؟ قال : « [ قالت : ] يد الله مغلولة ، يعنون أنّ الله قد فرغ من الأمر ، فليس يحدث شيئا » . (٧) الحديث.
ثمّ دعا سبحانه عليهم بقوله : ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ في نار جهنّم ، أو المراد : ألبسهم الله الفقر حتّى عجزوا عن الإنفاق والإعطاء ﴿وَلُعِنُوا﴾ وابعدوا عن الرّحمة ﴿بِما قالُوا﴾ من الكلمة الشّنيعة ، وبما
__________________
(١) تفسير الرازي ١٢ : ٣٩.
(٢) تفسير الرازي ١٢ : ٤٠.
(٣) تفسير الرازي ١٢ : ٤١ ، تفسير روح البيان ٢ : ٤١٤.
(٤) تفسير الرازي ١٢ : ٤١.
(٥) تفسير القمي ١ : ١٧١ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٩.
(٦) التوحيد : ١٦٧ / ١ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٩.
(٧) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١ : ١٨٢ / ١ ، تفسير الصافي ٢ : ٥٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
