اعتقدوا من العقائد السخيفة.
ثم ردّهم بقوله : ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ وقدرته ورحمته واسعتان ، وخزائنه غير نافذة ﴿يُنْفِقُ﴾ منها ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ ويختار على من يشاء ، يوسع تارة ويضيّق اخرى ، على حسب ما تقتضيه حكمته.
فاليدان كناية عن القدرة ، والجود وإسناد البسط إليهما كناية عن غاية الجود ، حيث إنّ من له غاية الجود يعطي بيديه جميعا.
ثمّ ذمّهم بازدياد كفرهم بنزول الآيات ، بقوله : ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ﴾ وهم علماؤهم ورؤساؤهم - على ما قيل (١) - ﴿ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ من القرآن ﴿طُغْياناً﴾ على طغيانهم ﴿وَكُفْراً﴾ على كفرهم السّابقين.
ثمّ ذكر ابتلاءهم بالعقوبات الدّنيويّة بقوله : ﴿وَأَلْقَيْنا﴾ وأوقعنا ﴿بَيْنَهُمُ﴾ وفي فرقهم ﴿الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ﴾ المستمرّتين ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ حيث إنّهم لمّا أنكروا الحقّ وعارضوا الرّسول طلبا للرّاحة ، وحفظا للجاه والرّئاسة ، ابتلاهم الله بسبب اختلاف العقائد والأهواء بالمشقّات الكثيرة ، والغموم الوفيرة ، فحرموا عن نيل مقاصدهم ، وفاتتهم سعادة الدّنيا والآخرة ، ولذلك التّخالف والتّباغض بينهم ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا﴾ وأشعلوا ﴿ناراً لِلْحَرْبِ﴾ مع الرّسول صلىاللهعليهوآله ، وأثاروا فتنة بين المسلمين ﴿أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ وأخمدها بإيقاع المنازعة والمعاداة فيهم ، فلا يتّفقون على رأي ، فيكون ذلك سببا لانصرافهم عن الحرب ، ومقهوريّتهم للمسلمين.
قيل : كان اليهود في أشدّ بأس وأمنع دار ، حتّى إنّ قريشا كانت تعتضد بهم ، وكان الأوس والخزرج تتكثّر بمظاهرتهم ، فذلّوا وقهروا ، وقتل النبيّ صلىاللهعليهوآله بني قريظة ، وأجلى بني النّضير ، وغلب على خيبر وفدك ، فاستأصل الله شأفتهم حتّى إنّ اليوم تجد اليهود أذلّ النّاس (٢) .
ثمّ ذكر الله سبحانه غاية جهدهم في استخراج أنواع الحيل والمكر في تضعيف الإسلام ، مع غاية ذلّهم وضعفهم ، بقوله : ﴿وَيَسْعَوْنَ﴾ مع الوصف ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ليوقعوا ﴿فَساداً﴾ بين المسلمين.
قيل : إنّهم لمّا خالفوا حكم التّوراة سلّط الله عليهم بخت نصّر ، ثمّ أفسدوا فسلّط عليهم بطرس الرّومي ، ثمّ أفسدوا فسلّط عليهم المجوس ، ثمّ أفسدوا فسلّط عليهم المسلمين.
﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ في الأرض والسّاعين فيها لإثارة الفتن ، بل هو ممقوت عنده (٣) .
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ
__________________
(١) تفسير روح البيان ٢ : ٤١٤.
(٢) تفسير الصافي ٢ : ٥٠.
(٣) تفسير الرازي ١٢ : ٤٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
