ثمّ وبّخ الله تعالى اليهود بنفاقهم وقساوة قلوبهم وعدم تأثّرهم بالمواعظ والآيات بقوله : ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ﴾ وحضروا عندكم ﴿قالُوا﴾ لكم نفاقا : ﴿آمَنَّا﴾ بما آمنتم ، واتّبعنا الرّسول ، ﴿وَ﴾ الحال أنّهم ﴿قَدْ دَخَلُوا﴾ مجلسكم ملابسين ﴿بِالْكُفْرِ﴾ ملازمين له ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا﴾ من ذلك المجلس متلبّسين ﴿بِهِ﴾ لم يؤثّر فيهم ما سمعوا وشهدوا من المواعظ والآيات ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ ويسترون منكم من الكفر والحسد ، والاجتهاد في المكر بالمسلمين ، والبغض والعداوة.
قالوا : نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلىاللهعليهوآله يظهرون له الإيمان نفاقا ، فأخبره الله بشأنهم ، فإنّهم يخرجون من مجلسه كما دخلوا ، لم يتعلّق بقلبهم شيء من الدّلائل والنّصائح والتذكيرات (١) .
وقيل : ضمير الخطاب في الجمع راجع إلى الرّسول صلىاللهعليهوآله ، والجمع للتّعظيم (٢) .
وعن القمّي : « نزلت في عبد الله بن أبيّ » (٣) .
﴿وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما
كانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ
السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٢) و (٦٣)﴾
ثمّ استشهد الله على نفاقهم بسوء أعمالهم بقوله : ﴿وَتَرى﴾ يا محمّد وتبصر ﴿كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ﴾ غير مستحيين منك ، ويشرعون بالعجلة شوقا ورغبة ﴿فِي الْإِثْمِ﴾ وقول الكذب ﴿وَالْعُدْوانِ﴾ والظّلم على الخلق ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ وأخذ الرّشوة ، والله ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من تلك المعاصي العظام.
ثمّ وبّخ سبحانه الزّهاد والعلماء على ترك نهيهم عن المنكرات بقوله : ﴿لَوْ لا يَنْهاهُمُ﴾ ويردعهم ﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾ من اليهود ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ وكلامهم الكذب ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ والمال الحرام ، مع علمهم بقبحها وحرمتها ، ومشاهدتهم مباشرتهم لها ، بالله ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ من المداراة مع العصاة ، وترك نهيهم عن المنكر.
قيل : الربّانيّون علماء أهل الإنجيل ، والأحبار علماء اليهود ، وقيل : كلّهم في اليهود (٤) .
في ذم تارك النهي عن المنكر
قيل : في الآيتين دلالة على أن تارك النّهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه ؛ لأنّه تعالى
__________________
(١) تفسير الرازي ١٢ : ٣٨.
(٢) تفسير أبي السعود ٣ : ٥٦ ، تفسير روح البيان ٢ : ٤١٢.
(٣) تفسير القمي ١ : ١٧٠ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٨.
(٤) مجمع البيان ٣ : ٣٣٥ ، تفسير الرازي ١٢ : ٣٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
