﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد النّهي عن مولاة أهل الكتاب ، بالغ سبحانه في تأكيده ، وعمّمه إلى جميع الكفّار بقوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا﴾ ولا تختاروا ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ وتعاملوا (١) مع شريعتكم الغرّاء معاملة السّاخر والعائب ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ﴾ الّذين لم يؤمنوا بكتاب ﴿أَوْلِياءَ﴾ لأنفسكم.
قيل : كان رفاعة بن زيد ، وسويد بن الحارث أظهرا الإيمان ثم نافقا ، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما (٢) . فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.
ثمّ حذّرهم عن مخالفة نهيه بقوله : ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ وخافوا عذابه في موالاتهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ عن صميم القلب بالله واليوم الآخر ، فإنّ حقيقة الإيمان تلازم الاتّقاء عن مخالفة أحكام الله وموالاة أعدائه.
﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾
ثمّ ذكر الله سبحانه استهزاءهم بالصّلاة التي هي أعظم العبادات وركن دين الإسلام ازديادا لتنفير قلوب المسلمين منهم ، بقوله : ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ﴾ المسلمين ودعوتموهم ﴿إِلَى الصَّلاةِ﴾ بأن أذّن المؤذّنون ﴿اتَّخَذُوها﴾ فيما بينهم ، أو عند أنفسهم ﴿هُزُواً﴾ وسخرية ﴿وَلَعِباً﴾ وعبثا لاعتقادهم بأنّه لا فائدة فيها ، و﴿ذلِكَ﴾ الاستهزاء واللّعب معلّل ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ حسن عبادة الله والخضوع له ، وقباحة الهزء بها ، ولو كان لهم عقل لما اجترأوا على تلك العظيمة.
قال بعض الحكماء : أشرف الحركات الصّلاة ، وأنفع السّكنات الصوم (٣) .
في استهزاء اليهود بدين الإسلام
قيل : كان المؤذّنون إذا أذّنوا للصّلاة تضاحكت اليهود فيما بينهم ، وتغامزوا سفها واستهزاء بالصّلاة ، وتجهيلا لأهلها ، وتنفيرا للنّاس عنها (٤) .
وقيل : كان منادي رسول الله صلىاللهعليهوآله ينادي للصّلاة ، وقام المسلمون إليها ، فقالت اليهود : قاموا لا قاموا ، صلّوا لا صلّوا ؛ على طريق الاستهزاء ، فنزلت الآية (٥) .
__________________
(١) في النسخة : وعاملوا.
(٢) مجمع البيان ٣ : ٣٢٨ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٧.
(٣) تفسير الرازي ١٢ : ٣٣.
(٤) تفسير روح البيان ٢ : ٤٠٨.
(٥) تفسير الرازي ١٢ : ٣٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
