الإيمان والأعمال الصّالحة ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ تعذيبه ، وهم أهل الكفر والعصيان.
ثمّ أعاد تقرير كمال قدرته وعظمة سلطانه تربية للمهابة في القلوب بقوله : ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ يتساوى نسبة جميع الموجودات إليه ، لا فضيلة لأحد على أحد إلّا بالإيمان والطّاعة والعبوديّة ﴿وَإِلَيْهِ﴾ وإلى حكمه ﴿الْمَصِيرُ﴾ والمرجع في الآخرة ، لا إلى غيره ، فيجازيكم بكفركم وسيّئات أعمالكم وأقوالكم أسوأ الجزاء.
روي عن ابن عبّاس رضى الله عنه : أنّها نزلت في جماعة من اليهود والنّصارى ، دعاهم رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى الإيمان ، وخوّفهم بعقاب الله تعالى ، فقالوا : كيف تخوّفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله وأحبّاؤه(١)!
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا
ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ (١٩)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعدما أبطل تلك الدّعاوى من اليهود والنّصارى بالحجج القاطعة ، وكان ذلك من معجزات النبيّ صلىاللهعليهوآله مع كونه امّيّا ، أعاد دعوتهم إلى الإيمان به بقوله : ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا﴾ محمّد صلىاللهعليهوآله لهدايتكم إلى الحقّ ، حال كونه مع امّيّته ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ شرائع الله وسننه ، ويشرح لكم معضلات الأمور ﴿عَلى﴾ حين ﴿فَتْرَةٍ﴾ كائنة ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ وفي زمان انقطاع الوحي وظلمة الجهالة.
وكان احتياج الخلق إلى مبيّن الأحكام الإلهيّة والشّرائع الدّينيّة ، لتقادم عهدها ، وطول زمانها ، وتصرّف التّغيير والتّحريف إليها ، واختلاط الحقّ بالباطل والصّدق والكذب ، بحيث صار ذلك عذرا ظاهرا لأهل الضّلال في إعراضهم عن الحقّ والعبادة.
فكان إرسال الرّسول لأجل كراهة ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ اعتذارا : ربّنا ﴿ما جاءَنا﴾ في الدّنيا ﴿مِنْ بَشِيرٍ﴾ بثوابك ﴿وَلا نَذِيرٍ﴾ من عقابك ، فنتّبع آياتك ، ونكون من المؤمنين.
فأجابهم الله بقوله : ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ الآن من قبل الله ﴿بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ فتمّت عليكم الحجّة ، وانقطع العذر ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من إرسال الرّسول ، وقطع الأعذار ﴿قَدِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء.
قيل : كان بين موسى وعيسى عليهماالسلام ما يقرب من ألف وسبعمائة سنة ، وألفا نبيّ ، وبين عيسى ومحمّد صلىاللهعليهوآله ستّمائة سنة وأربعة من الأنبياء ؛ ثلاثة من بني إسرائيل ، وواحد من العرب يقال له خالد
__________________
(١) تفسير الرازي ١١ : ١٩٢ ، تفسير أبي السعود ٣ : ٢١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
