﴿فَمَنْ يَمْلِكُ﴾ ويقدر على أن يمنع ﴿مِنَ﴾ نفوذ قدرة ﴿اللهَ﴾ وإرادته ﴿شَيْئاً﴾ يسيرا ﴿إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ﴾ ويفني ﴿الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ بل ﴿وَمَنْ﴾ كان ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ المسيح وغيره ﴿جَمِيعاً﴾ فإذا كان المسيح مقهورا تحت قدرة الغير وإرادته ، بحيث لا يمكنه دفع الهلاك عن نفسه وامّه وغيرهما ، لا يعقل أن يكون إلها.
ثمّ استدلّ على الوهيّة ذاته المقدّسة بعظمة سلطانه بقوله : ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ لا يخرج شيء من الموجودات عن ملكه وسلطانه ، ولا شريك له فيهما.
ثمّ استدلّ بسعة قدرته بقوله : ﴿يَخْلُقُ﴾ ويوجد ﴿ما يَشاءُ﴾ خلقه وإيجاده كيف يشاء بلا أصل كعالم العقول ، أو من أصل كعالم الأجسام ، من غير جنسه كآدم وسائر الحشرات ، أو من جنسه كأولاد آدم ، من ذكر واحد كحوّاء ، ومن انثى واحدة كعيسى ، أو منهما كسائر النّاس.
ثمّ بالغ في تقرير قدرته الكاملة بقوله : ﴿وَاللهُ﴾ بذاته ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الممكنات ﴿قَدِيرٌ﴾ وعيسى لا يقدر على شيء إلّا بإقداره تعالى له.
﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ
بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ
وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد حكمه بكفر النّصارى لغلوّهم في شأن عيسى وادّعائهم الوهيّته ، وإبطال دعواهم ، حكى عنهم وعن اليهود غلوّهم في حقّ أنفسهم مع كونهم في أشدّ مراتب الكفر ومنتهى درجة الضّلال ، بقوله : ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى﴾ ترفيعا لأنفسهم على سائر النّاس ، وغرورا بشرف آبائهم الأنبياء : ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فإنّه يحبّنا كحبّ الوالد لولده.
قيل : إنّ مراد اليهود من قولهم هذا : أنّا أشياع عزير ابن الله ، ومراد النّصارى : نحن أشياع عيسى ابن الله ، كما يقول أقارب الملوك عند المفاخرة : نحن الملوك (١) .
ثمّ أمر الله نبيّه صلىاللهعليهوآله بإبطال قولهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد ، إلزاما لهم : إن كان ما تزعمون حقّا ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ الله في الدّنيا ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾ ومعاصيكم بالمسخ والقتل والأسر والذّلّة ، وفي الآخرة أيّاما معدودة باعترافكم ؟ فهذه الدّعوى في غاية الفساد ﴿بَلْ أَنْتُمْ﴾ كغيركم ﴿بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ الله ، بلا فضيلة لكم على أحد عند الله ، وهو ﴿يَغْفِرُ﴾ الذّنوب ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ أن يغفر له ، ولا يشاء إلّا لأهل
__________________
(١) تفسير روح البيان ٢ : ٣٧٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
