تضيّع تلك الإضاعة ، فإنّ الله عزوجل يقول : ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾(١) .
أقول : الظّاهر أنّ الرّوايتين ناظرتان إلى نفي التّوقيت بوقت الفضيلة.
﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ
وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان وجوب قتال الكفّار ، وشدّة عداوتهم ، وكيفيّة الصّلاة فيهم ، أمر بالجدّ في قتالهم ، ونهى عن التّهاون فيه بقوله : ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ ولا تضعفوا أيّها المؤمنون ﴿فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ﴾ الكافرين الّذين دونكم ، وجدّوا في طلبهم ، واجتهدوا في قتالهم ، ولا تخافوا من الآلام التي تصيبكم ، فإنّكم ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ من الجراحات التي تصيبكم في حربهم ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أيضا ﴿يَأْلَمُونَ﴾ من الجراحات التي تصيبهم منكم ﴿كَما تَأْلَمُونَ﴾ من الجراحات التي تصيبكم منهم ، وهم مع ذلك لا يفترون عن قتالكم ، ولا يتهاونون فيه ، مع أنّكم وهم سواء في ما يوجب الخوف ﴿وَ﴾ أنتم ﴿تَرْجُونَ مِنَ اللهِ﴾ بجهادكم ، وما يصيبكم من الآلام والمشاقّ ﴿ما لا يَرْجُونَ﴾ من الثّواب والأجر ؛ لأنّكم تعتقدون بدين الإسلام ودار الجزاء ، وتعلمون أنّ لكم بالجهاد درجات عظيمة عند الله في الآخرة ، والمشركون لا يعتقدون بشيء من ذلك ، فإذا كانوا مع إنكارهم الحشر ودار الجزاء صابرين على قتالكم مجدّين فيه ، فأنتم أولى بالجدّ والصبر عليه منهم ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً﴾ بصلاح دينكم ودنياكم ﴿حَكِيماً﴾ في ما يأمركم وينهاكم ، وفي تدبير اموركم.
عن القمّي رحمهالله : أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله لمّا رجع من وقعة احد ودخل المدينة ، نزل [ عليه ] جبرئيل فقال : يا محمّد ، إنّ الله يأمرك أنّ تخرج في إثر القوم ، ولا يخرج معك إلّا من به جراحة ، فأمر رسول الله صلىاللهعليهوآله مناديا ينادي : يا معشر المهاجرين والأنصار ، من كانت به جراحة فليخرج ، ومن لم يكن به جراحة فليقم ، فأقبلوا يضمّدون جراحاتهم ويداوونها ، فأنزل الله على نبيّه ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ الآية (٢) .
وقيل : إنّها نزلت في بدر الصّغرى (٣) . وقد مضت كلتا القضيتين في سورة آل عمران.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ
لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦)﴾
__________________
(١) الكافي ٣ : ٢٧٠ / ١٣ ، تفسير الصافي ١ : ٤٥٨ ، والآية من سورة مريم : ١٩ / ٥٩.
(٢) تفسير القمي ١ : ١٢٤ ، تفسير الصافي ١ : ٤٥٩.
(٣) تفسير أبي السعود ٢ : ٢٢٨ ، تفسير روح البيان ٢ : ٢٧٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
