بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ
اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠)﴾
ثمّ بالغ في التّرغيب إلى الهجرة بقوله : ﴿وَمَنْ يُهاجِرْ﴾ من دار الشّرك إلى دار الإسلام ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ولطلب مرضاته ، وحفظ دينه ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً﴾ ومنازل كثيرة النّعمة والرّاحة ، بحيث يوجب رغم أنف الأعداء ، ويكون ﴿كَثِيراً﴾ يظفر بها بسهولة ﴿وَ﴾ يجد ﴿سَعَةً﴾ في الرّزق وإظهار الدّين.
ولمّا كان مجال توهّم أنّ فائدة الهجرة فيما إذا بلغ المقصد ، دون ما إذا مات في الطريق ، كجندب بن ضمرة (١) ، دفعه الله بقوله : ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾ حال كونه ﴿مُهاجِراً﴾ ومفارقا وطنه وعشيرته ، متوجّها ﴿إِلَى﴾ طاعة ﴿اللهِ﴾ وحده ، ﴿وَ﴾ خدمة ﴿رَسُولِهِ﴾ أو بلد يتمكّن فيه من القيام بوظائف دينه ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ في الطّريق ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾ وثبت ﴿أَجْرُهُ﴾ وثوابه ﴿عَلَى اللهِ﴾ .
ثمّ قرّر الوعد بقوله : ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً﴾ لما سبق من التّهاون في الهجرة إلى أن خروجه ﴿رَحِيماً﴾ بإكمال ثواب هجرته.
في هجرة جندب بن ضمرة من مكة
روي أنّ جندب بن ضمرة لمّا أشرف على الموت في التّنعيم (٢) ، أخذ يصفق بيمينه على شماله ، ثمّ قال : اللهمّ هذه لك ، وهذه لرسولك ، ابايعك على ما بايعك عليه رسولك. فمات حميدا ، فلمّا بلغ خبره أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله قالوا : لو توفّي في المدينة لكان أتمّ أجرا. وقال المشركون وهم يضحكون : ما أدرك هذا ما طلب ، فأنزل الله هذه الآية (٣) .
عن محمّد بن أبي عمير ، قال : وجّه زرارة بن أعين ابنه عبيدا (٤) إلى المدينة يستخبر خبر أبي الحسن موسى بن جعفر عليهماالسلام ، وعبد الله (٥) ، فمات قبل أن يرجع إليه عبيد ، قال ابن أبي عمير : حدّثني محمّد بن حكيم ، قال : ذكرت لأبي الحسن عليهالسلام توجّه عبيد إلى المدينة فقال : « إنّي لأرجو أن يكون زرارة ممّن
__________________
(١) تقدّم ذكره في تفسير الآية (٩٨) من هذه السورة.
(٢) التّنعيم : موضع على فرسخين من مكة وقيل : على أربعة.
(٣) تفسير روح البيان ٢ : ٢٧١.
(٤) في النسخة : عبيد الله ، في جميع المواضع ، تصحيف ، انظر : رجال الكشي : ١٥٥ / ٢٥٥.
(٥) هو عبد الله بن جعفر ، المعروف بالأفطح ، وقد ادّعى الامامة بعد أبيه الصادق عليهالسلام ، فهجرته الشيعة بعد أن امتحنوه فلم يروا فيه مواصفات الامامة كالعصمة والعلم والدلائل وغيرها ، وبعد أن تحققوا من النصّ على الامام موسى الكاظم عليهالسلام بعد أبيه الصادق عليهالسلام.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
