الله صلىاللهعليهوآله لوضوح أنّ الكمال الذي أوجب استحقاق منصب الرّسالة كمال لا يكافئه شيء. ولذا لا يمكن أن يقال بأفضليّة المجاهد على رسول الله صلىاللهعليهوآله وإن كان من القاعدين ، ووجب القول بأفضليّة المجاهد على غيره صلىاللهعليهوآله.
إذا تمهّد ذلك فنقول : لا شبهة أنّ أمير المؤمنين عليهالسلام كان أفضل المجاهدين ، فيجب أن يحكم بأنّه أفضل من أبي بكر وأضرابه من القاعدين ، كما استدلّ أصحابنا رضوان الله عليهم بهذه الآية عليها.
واعتراض الفخر الرازي عليه بلزوم أفضليّة أمير المؤمنين على رسول الله صلىاللهعليهوآله من الخرفات التي لا ينبغي صدورها من ذي مسكة لما ذكرنا.
وأمّا قوله : إنّ أبي بكر كان مجاهدا في سبيل الله ، فغير ثابت ، إن لم يثبت كونه من الفارّين من الجهاد في احد (١) .
وأمّا كونه مجاهدا بدعوة النّاس إلى الإسلام ، ولذا أسلم بدعوته جمع من الصّحابة ، كما قال المعترض ، فغير معلوم أيضا ، لعدم دلالة دليل قاطع عليه ، وعلى تقدير ثبوته لم تكن دعوته أكثر من دعوة عليّ عليهالسلام ، وقد ثبت بالرّوايات المسلّمة بين الخاصّة والعامّة أنّه المراد من قوله : ﴿وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ﴾(٢) . وليت شعري من أين علم هذا الرّجل المتعصّب مبالغة أبي بكر في إسلام سائر النّاس !
وقوله بأنّه أسلم بدعوته عدّة قليلة من الصّحابة ، على تقدير تسليمه ، لا يدلّ على مبالغته في الدّعوة ، وادّعائه أنّه صرف ماله ونفسه في الذّبّ عن النبيّ ، فدعوى بلا برهان ، مع ثبوت بخله بصدقة
__________________
(١) لقد اتفقت كتب السيرة والتاريخ أنه لم يبق مع رسول الله صلىاللهعليهوآله يوم احد عند هزيمة الناس إلّا أمير المؤمنين عليهالسلام وأبو دجانة ، وسهل بن حنيف ، وقيل : عبد الله بن مسعود ، وكان لأمير المؤمنين عليهالسلام الفضل في ردّ الكتائب وقتل أصحاب الألوية من المشركين ، ومن ثم في ثبات من ثبت من المسلمين ، فنادت الملائكة بفضله : ( لا سيف إلّا ذو الفقار ، ولا فتى إلّا علي ) وتباهوا بعظيم منزلته في مواساة رسول الله صلىاللهعليهوآله ( راجع : تاريخ الطبري ٢ : ٥١٤ ، ومجمع الزوائد ٦ : ١١٤ ، وشرح بن أبي الحديد ١٣ : ٢٦١ و١٤ : ٢٥٠ ) .
( قال ابن عباس : لعلي عليهالسلام أربع خصال ليست لأحد ... وعدّ منها صبره مع رسول الله صلىاللهعليهوآله يوم فرّ النّاس عنه في احد ( راجع مستدرك الحاكم ٣ : ١١١ ، الاستيعاب ٣ : ٢٧ ، شرح ابن أبي الحديد ٤ : ١١٦ . )
( وفي حنين لم يبق مع رسول الله صلىاللهعليهوآله غير تسعة نفر من بني هاشم ، وكان على رأسهم أمير المؤمنين عليهالسلام ، وعاشرهم أيمن بن أم أيمن الذي استشهد فيها. )
(وفي خيبر بعث رسول الله صلىاللهعليهوآله أبا بكر بالراية إلى خيبر فانهزم ولم يكن فتح ، وبعث بعده عمر فرجع يجبّن أصحابه ويجبّنونه ( تاريخ الطبري ٣ : ١٢ ، مستدرك الحاكم ٣ : ٣٧ ) فقال صلىاللهعليهوآله : « لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، كرارا غير فرار » فأعطاها أمير المؤمنين عليهالسلام وكان الفتح على يديه ( راجع : البداية والنهاية ٧ : ٣٤٩ ، وأسد الغابة ٤ : ٢١ ، وحلية الأولياء ١ : ٦٢ . )
( وأخرج البخاري حديث الراية في الصحيح ج ٥ ص ٨٧ ، كتاب المناقب - باب مناقب علي عليهالسلام حديث ١٩٧ وص ٢٧٩ من نفس الجزء - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر. وأخرجه مسلم في الصحيح ٤ : ١٨٧١ ، كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل علي عليهالسلام. )
(٢) هود : ١١ / ١٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
