درهم قدّام نجوى الرّسول (١) ، وغاية خوفه على نفسه في الغار ، وأمير المؤمنين عليهالسلام نائم في فراش الرّسولصلىاللهعليهوآله.
وكيف أنّه كان يقيم الدّلائل والبيّنات على صدق النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ويزيل الشّبهات والضّلالات عن القلوب ، مع جهله بعد مدّة مديدة من إسلامه بمعنى ( الإبّ ) في قوله تعالى : ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾(٢) ! ولو لا الإطناب المخلّ في عبارة هذا الرّجل لنقلتها حتّى يعلم أنّ العصبيّة كيف أعمته حتّى قال بأفضليّة أبي بكر من أمير المؤمنين عليهالسلام ، مع كون بطلانها أظهر من الشّمس في رائعة (٣) النّهار.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا
مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها
فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد إيجاب الهجرة بقوله : ﴿حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وحكمه بقتل من لم يهاجر بقوله : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾(٤) وبيان أحكام القتال ، شرع في تهديد غير المهاجرين بعذاب الآخرة بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ وتقبض أرواحهم ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ الموكّلون على قبض الأرواح ، حال كونهم ﴿ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بترك الهجرة ، وتعلّم أحكام الإسلام والعمل بها ، والقيام بالجهاد ، وبالرّضا بمجاورة المشركين.
﴿قالُوا﴾ سألت الملائكة المتوفّين (٥) تقريرا لهم : إنكم ﴿فِيمَ﴾ وفي أيّ حال ﴿كُنْتُمْ﴾ من امور دينكم ؟ ولم تركتم الجهاد والعمل بأحكام الإسلام ؟ ﴿قالُوا﴾ لهم اعتذارا عن تقصيرهم في القيام بالوظائف الدّينيّة : إنّا ﴿كُنَّا﴾ بعد إسلامنا ﴿مُسْتَضْعَفِينَ﴾ مستذلّين عند المشركين ، مقهورين لهم ، عاجزين عن العمل بشرع محمد صلىاللهعليهوآله ﴿فِي﴾ هذه ﴿الْأَرْضِ﴾ التي تكون دار الشّرك والكفر.
فردّ عليهم الملائكة و﴿قالُوا﴾ في جوابهم تقريرا أيضا : ﴿أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً﴾ ومملكته عريضة ﴿فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ وتنتقلوا إلى قطر آخر من أقطارها يسكنه المسلمون ، حتّى تتمكّنوا من إقامة دينكم ، والعمل بوظائفكم ، ولا يمنعكم المشركون عنها ، كما فعله من هاجر إلى المدينة أو
__________________
(١) لما نزلت آية النجوى ( المجادلة : ٥٨ / ١٢ ) لم يعمل بها أحد من الصحابة إلّا أمير المؤمنين علي عليهالسلام ، راجع :( تفسير الطبري ٢٨ : ١٤ ، سنن الترمذي ٥ : ٤٠٦ / ٣٣٠٠ ، الخصائص للنسائي : ح ١٤٦ ، مستدرك الحاكم ٢ : ٤٨١. )
(٢) الدر المنثور ٨ : ٤٢١ ، والآية من سورة عبس : ٨٠ / ٣١.
(٣) في الأصل : رابعة ، تصحيف.
(٤) النساء : ٤ / ٨٩.
(٥) في النسخة : المتوفون عنهم.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
