﴿لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ برفع أثر العهد ، وتقوية قلوبهم ، وإزالة الرّعب عنهم ، إذن ﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ ألبتّة وقتلوكم ، ولكن لم يشأ ذلك ، لكرامتكم عليه باتّباع الرّسول ودين الإسلام ، فإذا علمتم ذلك ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ واجتنبوا عن التّعرّض لكم ﴿فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ بمشيئة الله ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ وتلقّوكم بالانقياد والتّسليم ﴿فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ بالقتل والأسر.
في ( الكافي ) : عن الصادق عليهالسلام : « نزلت في بني مدلج ، جاءوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله فقالوا : إنّا [ قد ] حصرت صدورنا أن نشهد أنّك لرسول الله ، فلسنا معك ولا مع قومنا عليك ، فوادعهم إلى أن يفرغ من العرب ، ثمّ يدعوهم فإن أجابوا وإلّا قاتلهم » (١) .
ذكر معاهدة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم مع بني الأشجع
عن القمّي ، في قوله تعالى : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ إلى آخر الآية : أنّها نزلت في أشجع ، وبني ضمرة ، وكان خبرهم أنّه لمّا خرج رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى بدر لموعده مرّ قريبا من بلادهم ، وقد كان رسول الله صلىاللهعليهوآله هادن بني ضمرة ووادعهم قبل ذلك ، فقال أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله : هذه بنو ضمرة قريبا منّا ، ونخاف أن يخالفونا إلى المدينة ، أو يعينوا علينا قريشا ، فلو بدأنا بهم ؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : « كلّا إنّهم أبرّ العرب بالوالدين ، وأوصلهم للرّحم ، وأوفاهم بالعهد » .
وكان أشجع بلادهم قريبا من بلاد بني ضمرة ، [ وهم بطن من كنانة ، وكانت أشجع بينهم وبين بني ضمرة حلف في المراعاة والأمان ، فأجدبت بلاد أشجع وأخصبت بلاد بني ضمرة ، فصارت أشجع إلى بلاد بني ضمرة ] فلمّا بلغ رسول الله صلىاللهعليهوآله مسيرهم إلى بني ضمرة ، تهيّأ للمصير إلى أشجع فيغزوهم للموادعة التي كانت بينه وبين ضمرة ، فأنزل الله : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا ...﴾ ثمّ استثنى أشجع فقال : ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ الآية.
وكانت أشجع محالّها البيضاء والجبل والمستباخ ، وقد كانوا قربوا رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فهابوا لقربهم من رسول الله صلىاللهعليهوآله أن يبعث إليهم من يغزوهم ، وكان رسول الله صلىاللهعليهوآله قد خافهم أن يصيبوا من أطرافه شيئا ، فهمّ بالمسير إليهم ، فبينا هو على ذلك إذ جاءت أشجع ورئيسها مسعود بن رخيلة (٢) وهم سبعمائة ، فنزلوا شعب سلع (٣) ، وذلك في شهر ربيع سنة ست ، فدعا رسول الله صلىاللهعليهوآله أسيد بن حصين
__________________
(١) الكافي ٨ : ٣٢٧ / ٥٠٤.
(٢) مسعود بن رخيلة ؛ بالخاء ، انظر : اسد الغابة ٤ : ٣٥٧ والإصابة في تمييز الصحابة ٣ : ٤١٠ / ٧٩٤٣ ، وفي النسخة والصافي ( رحيلة ) بالحاء وفي القمي : ( رجيلة ) بالجيم.
(٣) الشّعب : هو الطريق في الجبل ، وسلع : هو جبل بسوق المدينة ، أو هو نفسه الشق في الجبل ، انظر معجم البلدان ٣ : ٢٦٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
