المسلمين ، كأنّه قال : فلا تعتدّ بهم ، ولا تلتفت إلى أفعالهم ، بل قاتل في سبيل الله (١) .
و﴿لا تُكَلَّفُ﴾ ولا تحمل عليه ﴿إِلَّا نَفْسَكَ﴾ فإنّ الله ناصرك. ففيه دلالة على أنّ الجهاد كان واجبا عليه ، وإن لم يساعده غيره.
قيل : نزلت في بدر الصّغرى ، فإنّه واعده أبو سفيان اللّقاء فيها ، فكره بعض النّاس الخروج معه ، فخرج وما معه إلّا سبعون ، ولم يلتفت إلى أحد ، ولو لم يخرج معه أحد لخرج وحده (٢) .
ثمّ أمره بتحريض المؤمنين بقوله : ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على القتال ، ورغّبهم فيه بالنّصح ، ووعد النّصر والغنيمة ، وثواب الآخرة ، ولا تعنف بهم - على ما قيل (٣) - ﴿عَسَى اللهُ﴾ وأرجه ﴿أَنْ يَكُفَ﴾ ويمنع عنك ، وعن المسلمين ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قريش ، ومكروههم ﴿وَاللهُ أَشَدُّ﴾ منهم ﴿بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً﴾ وعذابا.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ
كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥)﴾
ثمّ قيل : إنّه لمّا حرّض النبيّ صلىاللهعليهوآله في القتال ، شفع بعض المنافقين إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله أن يأذن لبعضهم في التّخلّف عنه (٤) ، فنهى الله تعالى عن تلك الشّفاعة بقوله : ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ إلى أحد ﴿شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ مرضيّة عند الله ؛ كأن [ يشفع ] في
الإحسان إلى مؤمن ، أو دفع شرّ عنه ، طلبا لمرضاة الله.
وعن ابن عبّاس : الشّفاعة الحسنة أن يشفع إيمانه بالله بقتال الكفّار (٥) .
﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ﴾ وحظّ ﴿مِنْها﴾ بالانتفاع من أجرها وثوابها.
عن النبيّ صلىاللهعليهوآله : « اشفعوا تؤجروا » (٦) .
﴿وَمَنْ يَشْفَعْ﴾ عند أحد ﴿شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ غير مرضيّة ، كأن يشفع في معصية أو تضييع حقّ وعن ابن عبّاس : أن يشفع كفره بالمحبّة للكفّار ، وترك إيذائهم (٧) .
﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ﴾ وحظّ ﴿مِنْها﴾ بالابتلاء بعقوبتها ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأجر والعقوبة ﴿مُقِيتاً﴾ وقادرا ، أو على كلّ شيء من الشّفاعة الحسنة والسّيّئة مطّلعا وحافظا.
__________________
(١) تفسير الرازي ١٠ : ٢٠٣.
(٢) تفسير الرازي ١٠ : ٢٠٤.
(٣) تفسير روح البيان ٢ : ٢٤٨.
(٤) تفسير الرازي ١٠ : ٢٠٦.
(٥) تفسير الرازي ١٠ : ٢٠٦.
(٦) تفسير الرازي ١٠ : ٢٠٧.
(٧) تفسير الرازي ١٠ : ٢٠٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
