عِنْدِ اللهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨)﴾
ثمّ نبّه سبحانه على أنّ الموت لا مناص منه ، تقصيرا للآمال ، بقوله : ﴿أَيْنَما تَكُونُوا﴾ أيّها النّاس ، وفي أيّ مكان تتمكّنوا ﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ ويصيبكم الفناء ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ﴾ متحصّنين ﴿فِي بُرُوجٍ﴾ وقصور حصينة ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ محكمة ، أو مجصّصة ، فإذا كان الموت لا بدّ منه ، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبا للسّعادة الأبديّة كان أولى.
ثمّ أنّه تعالى بعدما ذكر تثاقل ضعفاء المؤمنين أو المنافقين عن الجهاد ، أردفه بذكر سوء مقالهم ، من بقوله : ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ من سعة ونعمة وراحة ﴿يَقُولُوا هذِهِ﴾ الحسنة ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ومن فضله ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ من جدب وغلاء وشدّة ﴿يَقُولُوا﴾ لك من غاية الجهل والحمق ، أو العناد : ﴿هذِهِ﴾ السّيّئة ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ ومن شؤمك.
قيل : كانت المدينة مملوءة من النّعم وقت مقدم الرّسول صلىاللهعليهوآله ، فلمّا ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الإمساك ، كما جرت عادته في جميع الامم ، كما قال الله تعالى : ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾(١) فعند ذلك قالت اليهود والمنافقون : وما رأينا أعظم شؤما من هذا الرّجل ، نقصت ثمارنا ، وغلت أسعارنا منذ قدم ، فقوله تعالى : ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ يعني : الخصب ، ورخص السّعر ، وتتابع الأمطار ، قالوا : ﴿هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ من الجدب وغلاء السّعر ، قالوا : هذا من شؤم محمّد. وهذا كقوله تعالى : ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ﴾(٢) ، وعن قوم صالح قالوا : ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾(٣) .
ثمّ أمر الله بردّهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿كُلٌ﴾ من الحسنات والسّيّئات ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ يقبض ويبسط على حسب الحكمة والإرادة.
ثمّ بيّن الله شدّة حماقتهم بإظهار التّعجّب من قلّة فهمهم ؛ بقوله : ﴿فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ﴾ ويفهمون ﴿حَدِيثاً﴾ من الأحاديث وقولا من الأقوال ، إن هم إلّا كالأنعام.
﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ
لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٧٩)﴾
__________________
(١) الأعراف : ٧ / ٩٤.
(٢) الأعراف : ٧ / ١٣١.
(٣) تفسير الرازي ١٠ : ١٨٨ ، والآية من سورة النمل : ٢٧ / ٤٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
