ثمّ قيل : إنّ فريقا من المؤمنين يظهرون الرّغبة في الجهاد قبل وجوبه ، فلمّا وجب الجهاد تثاقلوا عنه ، وأظهروا الكراهة منه ، فلامهم الله ووبّخهم (١) بقوله : ﴿أَ لَمْ تَرَ﴾ يا محمّد ﴿إِلَى﴾ المؤمنين ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ حين إظهارهم الرّغبة في الجهاد ، واستئذانهم فيه ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عنه ، ولا تتعرّضوا للكفّار ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ واشتغلوا بسائر ما امرتم به.
روي أنّ ناسا من المؤمنين أتوا النبيّ صلىاللهعليهوآله قبل أن يهاجر إلى المدينة ، وشكوا إليه ما يلقونه من أذى المشركين ، وقالوا : كنّا في عزّ في حالة الجاهليّة ، والآن صرنا أذلّة ، فلو أذنت لنا قتلناهم على فرشهم.
فقال صلىاللهعليهوآله : « كفّوا أيديكم - إي أمسكوا عن القتال - وأقيموا الصّلاة ، وآتوا الزّكاة ، واشتغلوا بما امرتم به ، فإنّي لم أؤمر بقتالهم » . وكانوا في مدّة إقامتهم بمكّة مستمرّين على تلك الحالة ، فلمّا هاجروا مع رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى المدينة ، وامروا بالقتال في وقت بدر ، كرهه بعضهم وشقّ ذلك عليه ، وذلك قوله تعالى : ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ﴾(٢) وفرض ﴿إِذا فَرِيقٌ﴾ وجمع ﴿مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ المشركين أن يقتلوهم ، خشية ﴿كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ الكائنة في قلوبهم أن ينزل عليهم بأسه ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ من خشيتهم من الله ، أو من أهل خشية الله. وفي التّرديد إيهام على المخاطب ، أو إشعار باختلاف الفريق في شدّة الخوف.
﴿وَقالُوا﴾ بألسنتهم ، أو في قلوبهم تمنّيا لطول البقاء ، لا اعتراضا على الله : ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ﴾ وفرضت ﴿عَلَيْنَا الْقِتالَ﴾ مع الكفّار ﴿لَوْ لا أَخَّرْتَنا﴾ وأمهلتنا ﴿إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أجّلته لنا ، والموت الذي قدّرته علينا.
قيل : إنّ الآية نزلت في المنافقين ؛ وهم المراد بالفريق منهم (٣) .
ثمّ أمر الله نبيّه صلىاللهعليهوآله بوعظهم بقوله : ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا﴾ والانتفاع بها ﴿قَلِيلٌ﴾ المدّة ، سريع التّقضّي ، قليل اللّذّة ، لشوبه بالمكاره والغموم ، قليل القدر ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ من الدّنيا ونعمها ؛ لأنّها دائمة خالصة من الكدورات ، عظيمة القدر ، ولكن تكون ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ وأطاعه ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ بنقص ثواب أعمالكم ﴿فَتِيلاً﴾ وشيئا يسيرا.
﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ
__________________
(١) تفسير الرازي ١٠ : ١٨٤.
(٢) تفسير روح البيان ٢ : ٢٣٩.
(٣) تفسير الرازي ١٠ : ١٨٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
