ثمّ لام المتقاعدين عن القتال وأنكره عليهم بقوله : ﴿وَما﴾ العذر ﴿لَكُمْ﴾ أيّها المؤمنون ﴿لا تُقاتِلُونَ﴾ الكفّار ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ وَ﴾ لتخليص ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ والمستذلّين بين المشركين ﴿مِنَ الرِّجالِ﴾ المؤمنين ﴿وَالنِّساءِ﴾ المؤمنات ﴿وَالْوِلْدانِ﴾ - الصّغار ﴿الَّذِينَ﴾ لا يؤخذون بجرم الكبار - من أسر الكفّار ، وهم من كثرة أذيّة المشركين ﴿يَقُولُونَ﴾ متضرّعين إلى الله : ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا﴾ وخلّصنا ﴿مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ التي نحن فيها ﴿الظَّالِمِ﴾ علينا ﴿أَهْلُها﴾ وساكنوها ﴿وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ﴾ ومن رحمتك ﴿وَلِيًّا﴾ من المؤمنين يقوم بمصالحنا ، و حفظ ديننا ﴿وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ ينصرنا على أعدائنا ، ويدفع عنّا أذاهم.
قيل : هم المسلمون الّذين حبسوا في مكّة وصدّهم المشركون عن الهجرة ، أو عجزوا عنها فبقوا في الذّلّة ، وتلقّوا الأذى (١) ، فيسرّ الله لبعضهم الهجرة إلى المدينة ، وجعل لبعضهم - الّذين بقوا فيها إلى الفتح - خير وليّ وأعزّ ناصر ، وهو نبيّه محمّد صلىاللهعليهوآله.
عن العيّاشي : عنهما عليهماالسلام ، في هذه الآية قالا : « نحن أولئك » (٢) .
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ
فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)﴾
ثمّ بيّن الله سبحانه أنّ الجهاد لغرض نصرة الدّين من خصائص المؤمنين حثّا لهم ، بقوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هم الّذين ﴿يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ولنصرة دينه ، فالله ناصرهم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ ولاتّباع الشّيطان ، وترويج الباطل ، فالشّيطان وليّهم ، والله خاذلهم ﴿فَقاتِلُوا﴾ يا أولياء الله ﴿أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ وأتباعه وحزبه ، ولا تخافوا كيدهم ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ﴾ لأهل الإيمان ، وسعيه في إطفاء نور الحقّ منذ كان ﴿كانَ ضَعِيفاً﴾ وبلا نتيجة ، بالإضافة إلى كيد الله بالكافرين.
﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا
كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا
قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧)﴾
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٢ : ٢٠٢.
(٢) تفسير العياشي ١ : ٤١٨ / ١٠٣٧ و١٠٣٨ ، تفسير الصافي ١ : ٤٣٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
