ثمّ لمّا كان في موقع الجهاد مجال نفاق المنافقين ، عاد سبحانه إلى ذكر حالهم وتقاعدهم عن الخروج إليه ، بقوله : ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ أيّها المسلمون لله ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَ﴾ وليتثاقلنّ من الخروج إلى الجهاد ، ويتخلّف عنكم.
وقيل : إنّ المعنى : أنّه ليثبّطنّ سائر المسلمين ويصرفهم عن الخروج ، كعبد الله بن ابيّ.
﴿فَإِنْ أَصابَتْكُمْ﴾ بعد الخروج إلى الجهاد ﴿مُصِيبَةٌ﴾ وبليّة من الأعداء ، كالقتل ، والجرح ، والهزيمة ﴿قالَ﴾ ذلك المنافق المبطئ ؛ فرحا بتقاعده ، وحامدا لربّه : ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَ﴾ بالسّلامة والحياة ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ﴾ في المعركة ﴿مَعَهُمْ شَهِيداً﴾ وحاضرا ، فيصيبني ما أصابهم ﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ﴾ ونالكم ﴿فَضْلٌ﴾ من فتح وغنيمة ﴿مِنَ﴾ جانب ﴿اللهِ﴾ وبإعانته ﴿لَيَقُولَنَ﴾ ذلك المنافق تحسّرا وحزنا ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ وصداقة ، حتّى يفرح لفرحكم : ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ في تلك الغزوة ﴿فَأَفُوزَ﴾ وأنال ﴿فَوْزاً﴾ وحظّا ﴿عَظِيماً﴾ وافرا من الغنيمة.
وفي ذكر الجملة الاعتراضية بين فعل القول ومفعوله ، دلالة على أن تمنّيهم الحضور في الوقعة كان للحرص على المال ، لا للاشتياق إلى نصرة المسلمين بمقتضى المودّة والخلطة.
﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي
سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤)﴾
ثمّ عاد سبحانه إلى الحثّ في الجهاد بقوله : ﴿فَلْيُقاتِلْ﴾ ألبتّة ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ولطلب مرضاته المؤمنون الخلّص (١)﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ ويبيعون ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ ومتاعها ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ ويختارون الفوز برضوان الله ، والنّعم الخالصة الدّائمة على العيش المكدّر الزّائل.
ثمّ بالغ في التّرغيب فيه بقوله : ﴿وَمَنْ يُقاتِلْ﴾ أعداء الدّين ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ولإعلاء كلمة التّوحيد والحقّ ﴿فَيُقْتَلْ﴾ بأيديهم ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ عليهم فيقتلهم ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ في الآخرة ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ وثوابا جسيما لا يقادر قدره.
﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ
وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ
لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥)﴾
__________________
(١) في النسخة : الخلصون.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
