وإرادته وتوفيقه.
وفيه دلالة على عصمة الأنبياء ، كما استدلّ الفخر الرازي بالتّقريب الذي ذكره في آية ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾(١) .
ثمّ حثّ الله سبحانه المنافقين إلى التّوبة عن نفاقهم وسوء أفعالهم بقوله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالنّفاق والتّحاكم إلى الطّاغوت ﴿جاؤُكَ﴾ نادمين على معاصيهم ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ﴾ منها مخلصين ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ بعد اعتذارهم إليه ﴿لَوَجَدُوا اللهَ﴾ ولقوه ﴿تَوَّاباً﴾ على العاصين ﴿رَحِيماً﴾ بالمذنبين.
وإنّما قال : ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ ولم يقل : ( واستغفرت ) إظهارا لعظمته (٢) ، وإشعارا بأنّ من كان سفيرا بين الله وخلقه لا تردّ شفاعته.
قيل : إنّ قوما من المنافقين اصطلحوا على كيد في حقّ رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ثمّ دخلو عليه لأجل ذلك الغرض ، فأتاه جبرئيل فأخبره به ، فقال صلىاللهعليهوآله : « إنّ قوما دخلوا يريدون أمرا لا ينالونه ، فليقوموا وليستغفروا الله حتّى أستغفر لهم » فلم يقوموا ، فقال صلىاللهعليهوآله : « ألا تقومون ؟ » ، فلم يفعلوا ، فقال صلىاللهعليهوآله : « قم يا فلان ، قم يا فلان » - حتّى عد اثني عشر رجلا منهم - فقاموا وقالوا : كنّا عزمنا على ما قلت ، ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا ، فاستغفر لنا ، فقال صلىاللهعليهوآله : « [ الآن ] اخرجوا ، أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار ، وكان الله أقرب إلى الإجابة ، اخرجوا عنّي » (٣) .
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي
أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥)﴾
ثمّ بيّن الله سبحانه ملازمة الإيمان بالرّسول للرّضا بحكمه ، والتّسليم لقضائه ، مؤكّدا له بالحلف عليه ، وزيادة ( لا ) للتّأكيد ، بقوله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ إنّ النّاس ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بك إيمانا صادقا ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ ويترافعوا إليك ﴿فِيما شَجَرَ﴾ واختلف فيه ﴿بَيْنَهُمْ﴾ من الأمور ، فتقضي فيه بمرّ الحقّ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وقلوبهم ﴿حَرَجاً﴾ وضيقا ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ به وحكمت فيه ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ لقضائك ﴿تَسْلِيماً﴾ قلبيّا ، وينقادوا لحكمك انقيادا باطنيّا.
روي أنّ رجلا من الأنصار خاصم الزّبير في ماء يسقى به النّخل ، فقال صلىاللهعليهوآله للزّبير : « اسق أرضك ، ثمّ
__________________
(١) المائدة : ٥ / ٩٢.
(٢) أي عظمة الرّسول صلىاللهعليهوآله.
(٣) تفسير الرازي ١٠ : ١٦٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
