قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الامتناع من التّسليم للحكم بالحقّ ، والرّضا بحكومة الطّغاة.
ثمّ بيّن نفاقهم بقوله : ﴿ثُمَ﴾ بعد الامتناع ﴿جاؤُكَ﴾ معتذرين إليك من عدم حضورهم عندك ، والتّحاكّم إلى غيرك ، وهم ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ لك ﴿إِنْ أَرَدْنا﴾ من التّحاكم إلى غيرك ، وما طلبنا به ﴿إِلَّا إِحْساناً﴾ إليك برفع الكلفة والتّصديع عنك ، أو إلى الخصوم حيث إنّك تحكم بمرّ الحقّ ، وغيرك يأمر كلّا منهم بالإحسان إلى الآخرة ، ﴿وَ﴾ إلّا ﴿تَوْفِيقاً﴾ وإصلاحا بينهم.
وقيل : إنّ الآية تبشير للنبيّ صلىاللهعليهوآله ، والمعنى : كيف حالك من الفرح إذا أصابتهم مصيبة تلجئهم إلى الحضور عندك لرفعها ؟ ثمّ يحلفون بالله لك أنّهم ما أرادوا من عدم الحضور في تلك الوقعة مخالفتك ، بل أرادوا الإحسان والتّوفيق.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي
أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)﴾
ثمّ بيّن سبحانه أنّ النّفاق لا ينفعهم ، وهو يعاقبهم عليه بقوله : ﴿أُولئِكَ﴾ المنافقون هم ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الكفر وعداوة الحقّ ، فيفضحهم في الدّنيا ، ويعاقبهم عليه في الآخرة ، ولا يغني عنهم الكتمان والحلف عن العقاب ، فإذا كان كذلك ﴿فَأَعْرِضْ﴾ أنت ﴿عَنْهُمْ﴾ ولا تؤاخذهم بسوء فعالهم ، ولا تهتك سترهم بين النّاس ، بل ﴿وَعِظْهُمْ﴾ موعظة حسنة ، وخوّفهم بالعقاب على الكفر والعصيان ، والكذب والعناد مع الحقّ ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي﴾ شأن ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ الخبيثة ﴿قَوْلاً بَلِيغاً﴾ مؤثّرا في قلوبهم ، وافيا بمقصودك من الهداية.
وقيل : إنّ معنى قوله ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ خاليا (١) بهم غير فاش ؛ لظهور كون النّصح في الخلوة والسّرّ لمحض النفع (٢) .
وقيل : إن معنى ( البليغ ) : الكلام الطّويل ، الحسن الألفاظ والمعاني ، فإنّه أعظم وقعا في القلب(٣).
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ
فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤)﴾
ثمّ أكّد سبحانه وجوب طاعة الرّسول والتّسليم لحكمه بقوله : ﴿وَما أَرْسَلْنا﴾ إلى النّاس من بدو الخلقة ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ لغرض من الأغراض ﴿إِلَّا لِيُطاعَ﴾ في أوامره ونواهيه وأحكامه ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾
__________________
(١) من الخلوة : أي مختليا بهم في السّرّ.
(٢ و٣) . تفسير الرازي ١٠ : ١٥٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
